التل يكتب: أيها المسؤول السابق... الأردني لا يجد قوته، فلماذا تطلب منه التقشف؟!
د.مصطفى التل
دعا نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور جواد العناني، الأردنيين إلى مواجهة التحديات التي يدخلها الأردن بسبب الأزمة في المنطقة بالتقشف، معتبراً أن الكثير من إنفاق الأردنيين "ليس ضرورياً"، ضارباً أمثلة على ذلك بالإنفاق على التدخين والهواتف النقالة، والهدر في الوقود نتيجة الازدحامات المرورية.
العناني بيّن أن الأردن سيدخل في أزمة سواء انتصرت إيران في الحرب أو انتصرت إسرائيل "لا قدر الله" ومعها أميركا، مؤكداً أن المعارك هذه لا رحمة فيها.
لكن مع كل احترامي للدكتور العناني، فإن رده على المواطن الأردني وحده يثير إشكاليات جوهرية، ويُخفي جزءاً كبيراً من المسؤولية التي تقع على عاتق الحكومات المتعاقبة وليس فقط على المواطن.
فالدكتور العناني يتحدث عن "التبذير" في التدخين والهواتف والازدحامات كأمثلة على إنفاق غير ضروري، لكنه يتجاهل حقيقة أن العديد من الأردنيين لا يجدون قوت يومهم أصلاً، فكيف يُطلب منهم "التقشف" وهم أصلاً على خط الفقر؟! كما أن الهواتف المحمولة أصبحت ضرورة للعمل والتعليم والتواصل في زمن التحول الرقمي الذي تصر عليه الحكومات الأردنية واهدرت في سبيله ملايين الدنانير بدلا من توليد وظائف حقيقية في السوق الأردني ، وليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها.
السؤال الذي يغيب عن هذا الخطاب: لماذا يُطلب من المواطن أن يتقشف، بينما لا تزال الحكومات تتوسع بالمناصب العليا وتعيينات الوجهاء والوزراء السابقين في مناصب استشارية ومجالس أمناء بأجور خيالية، وتمنح رواتب فلكية للهيئات المستقلة دون مبرر إنتاجي حقيقي، بينما يعاني الموظف العادي من تدني الأجور؟!
ناهيك عن الاتفاقيات الاستهلاكية والمشتريات الحكومية التي تُهدر المال العام عبر مناقصات وتجهيزات وعقود صيانة مبالغ فيها، إلى جانب الاقتراض الداخلي والخارجي بفوائد مرتفعة دون خطة إنتاجية حقيقية.
إن الدعوة إلى "التقشف" دون خلق فرص عمل حقيقية، ودون تحفيز الإنتاج المحلي، ودون محاربة التوسّع في توزيع المناصب العليا والهيئات المستقلة، هي دعوة عقيمة.
فلو أن المواطن الأردني يجد عملاً يدر دخلاً يحفظ كرامته، ولو أن الحكومة أوقفت نزيف الرواتب الفلكية لكبار الموظفين وأعضاء الهيئات المستقلة، ولو أن المال العام حُوكم بحزم، لكان الرد على الأزمة مختلفاً تماماً.
الأردني اليوم في أمس الحاجة إلى حكومة عادلة ومجلس نواب صارم يعرف كيف يحاسب، و يضرب بيد من حديد على المحتكرين والمفسدين، ويبدأ بنفسه أولاً بترشيد الرواتب العليا والهيئات المستقلة.
كما يحتاج إلى نظام ضريبي يخفف العبء عن محدودي الدخل ويزيد على الثروات الكبيرة والقطاعات الريعية، وإعادة هيكلة المناصب العليا والهيئات المستقلة لتصبح خدمة عامة وليس "مغانم" لكبار المسؤولين، بالإضافة إلى سياسة نقدية ومالية تحمي المدخرات الصغيرة من التضخم.
لا يختلف اثنان على أن الأردن يعيش في منطقة ملتهبة، وأن أي تصعيد سيكلفه ثمناً باهظاً, ولكن تحميل المواطن العادي وحده مسؤولية مواجهة الأزمة، بينما تتوسع الحكومة في المناصب العليا والرواتب الفلكية للهيئات المستقلة، هو نهج غير منصف وغير مقبول.
التقشف يجب أن يبدأ من القمة عبر تجميد التعيينات في المناصب العليا، ومراجعة رواتب الهيئات المستقلة، وإنهاء ثقافة "المغانم" الوظيفية، قبل أن يُطلب من مواطن يعيش على حافة الفقر أن يتخلى عن هاتفه المحمول.
في النهاية، الأردني ليس بحاجة إلى مَن يعظه، بل بحاجة إلى حكومة عادلة ومجلس نواب صارم يعيد توزيع العبء بشكل عادل، ويحمي كرامته قبل أن يهدر موازنة الدولة على غنائم وظيفية وخدمية غير مجدية....





