وليد عبد الحي يكتب: ترامب والأحجية الروسية
وليد عبد الحي
كيف نفسر السياسة الاسترضائية(Appeasement Policy) التي ينتهجها الرئيس الامريكي ترامب مع روسيا ؟ ففي الوقت الذي استعدى ترامب الصين وأوروبا وكندا وامريكا اللاتينية وغيرها الكثير، نجده يقدم السياسة الروسية في أوكرانيا بشكل ايجابي للغاية بل ويمتدح الموقف الروسي باستمرار ، ولم يعترض على استمرار القواعد العسكرية الروسية في سوريا، بل ها هي وسائل الاعلام الروسية تحدثنا هذه الايام عن احتمالات متزايدة لعودة الشركات الامريكية للسوق الروسي، كما ان صورة الرئيس الروسي بوتين في ادبيات ترامب هي اقرب "للتملق"...وهنا السؤال الاول:لماذا كل هذا؟
بالمقابل ، اجمعت-وأؤكد على الإجماع- الهيئات الامريكية التالية على صحة الادعاء بتدخل روسي في الانتخابات الرئاسية الامريكية التي فاز فيها ترامب في عام 2016 ضد هيلاري كلينتون:
1- وكالة المخابرات المركزية الامريكية
2- مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي
3- وكالة الأمن القومي الامريكية
4- المجلس الخاص للتحقيقات ( برئاسة روبرت مولر)
5- تحقيق لجنة الاستخبارات في الكونغرس:
أ- لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ
ب- لجنة الاستخبارات في مجلس النواب
-ت- لجنة نيابية من الحزب الجمهوري فقط (حزب ترامب)
وانتهت كل هذه الهيئات الرسمية الى نفس النتيجة تماما ، وهي اثبات التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لصالح ترامب..والسؤال الثاني هنا هو :لماذا تدخل الروس لصالح ترامب؟ هل التدخل "محبة أو عمل خيري أم بناء على مقدمات معينة"؟
فإذا اضفنا الى كل ذلك الكتب الصادرة حول هذا الموضوع وبخاصة من شخصيات لها صلة بدوائر الاستخبارات الروسية وكازخستان والتشيك والتي تشرح وباسهاب علاقات ترامب مع روسيا منذ الثمانينات ، فان الامر لا يجوز المرور عليه باستهانة..ويكفي التمعن في المنشورات التالية:
- Cultivated Donal Craig Unger-American Kompromat: How KGB
- Trump,Scribe Publicaion.2021
- Robert Mueller-Report on the Investigation into Russian Interference in 2016 presidential Election
ويمكن العودة لدراستنا حول هذه الموضوع للتعرف على التفاصيل وفيض من المراجع الاجنبية وهي:
وليد عبد الحي-ترامب واشكالية التحول في العلاقات الروسية الامريكية.مركز الزيتونة-2025
الاضافة الاخرى لموضوعنا، هي أن روسيا يحكمها رجل قضى عمره في التجسس وبخاصة على حلف الناتو ، وتكشف الدراسات التي اطلعت عليها والخاصة بشخصية بوتين عن قدر كبير من الغموض والذكاء والخبرة الدولية الكبيرة بل والتوازن النفسي عند اتخاذ القرار،ويمكن التعرف على عمق هذه الشخصية " القاسية للغاية" من خلال المرجع الهام والتفصيلي التالي:
Aubrey Immelman and Joseph Trenzeluk-The Political Personality of Russian Federation President Vladimir Putin -Psychology Faculty Publication .2017.
بالمقابل اجمعت الدراسات الخاصة بشخصية ترامب على انه " منحط اخلاقيا،نرجسيته من النوع المرضي العميق،معدلات الكذب لديه عالية جدا –طبقا لعلماء النفس الامريكيين ومتابعات نيويورك تايمز وواشنطن بوست وكتابات جون بولتون-مسشاره السابق للامن القومي وطبقا لكتاب ابنة اخيه –وهي استاذة علم نفس".
ولكن مدرسة فكرية امريكية اخرى –بخاصة في اوساط الحزب الجمهوري- تحاول تقديم تفسير معاكس لسياسات ترامب تقوم على :
أ- استرضاء روسيا لجذبها بعيدا عن الصين التي يعتبرها ترامب المنافس الاول لامريكا، لكن ما نراه هو تنامي وتعزيز العلاقات الروسية الصينية،وتسارع في التبادل التجاري بينهما.
ب- ان خلافاته مع اوروبا تستهدف تخفيف الاعباء الدفاعية عن كاهل الموازنة الامريكية وتحميل بعض العبء الجديد للموازنات الاوروبية، لكن هذا الحساب الاقتصادي المحض جلب معه تشنجات سياسية خطرة وارباك للسياسة الاوروبية وتعزيز للطموحات الروسية في اوكرانيا وغيرها.
ويبقى الآن حلقات مسلسل جيفري ابستين ، فهناك من يرى ان ابستين هو احد حلقات "الموساد"،وهناك من يشير الى انه " رجل بوتين الخفي"،وهناك طرف ثالث يراه "عميل مزدوج " للطرفين.
ماذا يعني كل ذلك ؟
ان التعالي عن نظرية المؤامرة قد يقود الى استنتاجات متسرعة، لكن منع التعالي عن تلك النظرية يتم بربطها ببنية قابلة للاختراق ،فالتاريخ مملوء بالمؤامرات لكن التاريخ نفسه ليس مؤامرة كما شرح ذلك كارل بوبر وهيغل ...ربما.
فالتفاصيل التي بدأت تُطل برأسها في ملفات ابستين قد تشكل جائحة أوسع من نطاق جائحة الكورونا، وفي عالم تشارك فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحديد المسارات للبشر، فإن التسرع في الاحكام قد يقود الى جهنم..ربما.