اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الطراونة يكتب: جرش... حين يصبح الفن رسالة أمن وثقة

{title}
أخبار الأردن -

 

مكرم أحمد الطراونة


وسط شرق أوسط يضج بالحروب، وتتزاحم فيه صور الدمار والنزوح والخوف، تبدو القدرة على تنظيم مهرجان ثقافي دولي بحجم مهرجان جرش للثقافة والفنون حدثا يتجاوز حدود النشاط الفني، ليصبح رسالة سياسية وحضارية وإنسانية في آن واحد.
 

وفي الوقت الذي تنشغل فيه دول كثيرة بإدارة الأزمات وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار، يقدم الأردن صورة مختلفة كدولة تعرف كيف تحمي حدودها، وتدير أمنها، وفي الوقت نفسه تواصل الاستثمار في الثقافة بوصفها إحدى ركائز القوة الوطنية.
المشهد الأردني في هذه الأيام يحمل مفارقة لافتة، فمن جهة، يقف نسور سلاح الجو في حالة جاهزية دائمة لاعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ، ويحرس الجنود حدودا طويلة ومعقدة لمنع تسلل المخدرات والأسلحة والعناصر الإرهابية، ومن جهة أخرى تمتلئ المدينة الأثرية في جرش بالموسيقا والمسرح والشعر والفنون البصرية والندوات الفكرية، ويجتمع آلاف الزوار من الأردن والعالم تحت أعمدة مدينة عتيقة للتعبير عن حبهم للحياة.
هذا هو المعنى الأعمق الذي يقدمه الأردن اليوم، والمتأتي من قدرة المجتمع على مواصلة إنتاج الحياة، وقدرة الدولة على حماية هذا الخيار، ليصبح مهرجان جرش فعل مقاومة للحرب، ورسالة تقول إن الأمن الحقيقي لا يقتصر على حماية الحدود، وإنما يشمل حماية الإنسان وثقافته وحقه في الفرح.
على امتداد أربعة عقود، تحوّل مهرجان جرش إلى مؤسسة ثقافية عربية متكاملة. وفي دورته الحالية، يقدم برنامجا واسعا، ليشكل مساحة تلتقي فيها مختلف أشكال التعبير الإبداعي، فلا يحتكر الضوء نجم واحد أو لون فني واحد، بل تتحول جرش إلى مدينة تحتفي بالثقافة بكل تجلياتها.
المهرجان بالنسبة للفنان الأردني فرصة لا تعوض، يمثل مساحة تمنحه الاعتراف، وتضعه في حوار مباشر مع تجارب عربية وعالمية، وتتيح له الاحتكاك بجمهور متنوع، وإثبات أن الإبداع الأردني قادر على المنافسة والحضور. 
أما بالنسبة للفنان العربي، فقد ظل المهرجان يحمل قيمة رمزية خاصة، فالوقوف على المسرح الجنوبي أو الشمالي، وبين الأعمدة الرومانية العريقة، كان طموح العشرات، وهدفا يسعى إليه كبار الفنانين العرب، لأنه يجمع بين المكانة الفنية، والجمهور الواعي، والقيمة التاريخية للموقع، والسمعة التي راكمها المهرجان منذ انطلاقته.
أهمية المهرجان لا تتوقف عند الفنانين والجمهور، وإنما تمتد إلى المجتمع المحلي في محافظة جرش. ففي كل دورة تنشط الحركة الاقتصادية بصورة ملحوظة، وتمتلئ بيوت الضيافة، وتزداد حركة المطاعم والمقاهي والأسواق والمحلات التجارية، ويجد كثير من الشباب فرصا مؤقتة للعمل في التنظيم والخدمات والنقل والإنتاج الفني. كما تستفيد الأسر المنتجة والحرفيون من عرض منتجاتهم أمام آلاف الزوار، فتتحول الثقافة إلى محرك اقتصادي ينعكس أثره مباشرة على المجتمع المحلي.
والأهم من ذلك أن المهرجان يعزز لدى أبناء جرش شعورا بأن مدينتهم حية تنتج الثقافة وتستضيف العالم، ما يرسخ الانتماء للمكان ويجعل السكان شركاء في نجاح الحدث.
مهرجان جرش يبعث برسالة واضحة وعميقة إلى العالم كله، تقول إنه بينما تحاول الحروب أن تجعل الشرق الأوسط عنوانا دائما للعنف، يصر الأردن على أن يكون عنوانا آخر للثقافة والانفتاح والاستقرار. وبينما تغلق بعض المدن مسارحها وقاعاتها تحت وطأة الأزمات، تفتح جرش أبوابها للفنانين والجمهور من مختلف الدول، مؤكدة أن الثقافة جزء أصيل من ممارسة الحياة.
الأردن يقول للعالم أيضا إن الاستثمار في الثقافة لا يتعارض مع الاستثمار في الأمن، والدولة الواثقة بنفسها لا تختار بين حماية حدودها وحماية فنونها، وإنما تقوم بالأمرين معا، والأمن يصون الوطن، بينما تمنحه الثقافة روحه وصورته وهويته. إنه إعلان متجدد عن طبيعة الدولة الأردنية نفسها: دولة تحرس حدودها بعين، وتحرس ثقافتها بالعين الأخرى.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية