اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شلبي يكتب : "الشرق الأوسط على مشارف حافة الهاوية"

{title}
أخبار الأردن -

سعد شاكر شبلي

يعيش النظام الدولي اليوم مرحلة يوصف فيها بأنه على "حافة الهاوية" نتيجة تداخل صراعات جيوسياسية، ومخاطر مناخية، وتحولات تكنولوجية سريعة، مما أضعف منظومة الأمن الجماعي التقليدية وجعل المشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً.

ويمكن تلخيص ملامح الواقع الدولي الحالي في المحاور الرئيسية التالية:

  1. الاستقطاب الجيوسياسي وسياسات "حافة الهاوية"
  2. المعادلات الصفرية: عادت القوى الكبرى والإقليمية لاستخدام استراتيجية "حافة الهاوية" (Brinkmanship) عبر دفع الأزمات إلى أقصى درجات التصعيد العسكري لتحقيق مكاسب استراتيجية، والمراهنة على تراجع الخصم في اللحظات الأخيرة.
  3. اشتعال الجبهات الإقليمية: تعيش شعوب منطقة الشرق الأوسط بمرحلة خطر مستدام جراء مواجهات مفتوحة وممتدة تجاوزت قواعد الاشتباك التقليدية وتتزايد معها مخاطر الانزلاق إلى حروب إقليمية شاملة تؤثر على أمن الطاقة والملاحة الدولية.
    1. إعادة التسلح والجاهزية: تتجه الدول الكبرى، لاسيما في أوروبا، نحو إعادة صياغة عقائدها الدفاعية ورفع مستويات الجاهزية العسكرية والاعتماد على الذات لمواجهة التهديدات الوجودية المستجدة.
  4. البيئة والمناخ: الهاوية الكوكبية
  5. أرقام قياسية مقلقة: تشير التقارير العلمية الدولية إلى أن المؤشرات الحيوية لكوكب الأرض وصلت لمستويات حرجة غير مسبوقة، مع تسجيل درجات حرارة قياسية تضع الأنظمة البيئية في مسار عالي الخطورة.
  6. فجوة الإرادة السياسية: هناك فجوة واضحة بين " الإدراك العلمي" لحجم الكارثة البيئية وبين "الفعل السياسي والاقتصادي" المطلوب لترجمة هذا الإدراك إلى حلول حقيقية قبل غلق نافذة الإنقاذ.
  7. تعقيد المشهد وإرهاق الوعي العام
  8. صراعات صامتة ومتعددة: يواجه العالم اليوم عشرات النزاعات المسلحة المتزامنة، إلا أن التغطية الإعلامية تسلط الضوء على بؤر محددة فقط، مما يخلق وعياً مجتزءاً بالواقع الدولي.
  9. الإرهاق الإخباري: يتسبب التدفق المستمر للصور والأخبار الصادمة بحالة من التشبع العاطفي والنفسي لدى المجتمعات، مما يضعف التفاعل الإنساني والضغط الشعبي لإنهاء الحروب.
  10. التنافس التكنولوجي والهجين

يقوم على صراع الفضاء والذكاء الاصطناعي: لم يعد النزاع محصوراً في الحدود البرية، بل امتد ليشمل الأنظمة الفضائية الهجينة، وتطوير تكنولوجيا الملاحة والذكاء الاصطناعي كأدوات أساسية لفرض السيادة والهيمنة الدولية.

بالمجمل، يقف العالم اليوم في منطقة رمادية خطرة؛ حيث لم تعد القوى الدولية تدير الأزمات لاحتوائها، بل تتجه نحو كسر العظم وتغيير القواعد، مما يجعل الحاجة إلى إصلاح المنظومة الدولية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.. فيما تتصاعد احتمالات المواجهة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط جراء الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، وقد بدا أن تقديرات مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية تنقسم حول احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مسارين متناقضين، يرى الأول أن احتمالية المواجهة المباشرة والشاملة مستبعدة نظراً لسياسة حافة الهاوية المتبادلة، بينما يحذر المسار الثاني من أن خطر "الانزلاق غير المحسوب" أو الخطأ التكتيكي هو الأعلى منذ عقود نتيجة انهيار قنوات الاتصال التقليدية.

ويمكن تفكيك هذه الاحتمالات والدوافع والموانع على النحو التالي:

  1. العوامل التي تزيد من احتمالية المواجهة (مؤشرات التصعيد)
  2. تجاوز الخطوط الحمراء الإقليمية: وصول المواجهات بين إسرائيل وحلفاء إيران في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة تضعف قدرة واشنطن وطهران على ضبط النفس.
  3. غياب الشفافية السياسية: توقف أو تراجع فعالية القنوات الدبلوماسية الخلفية (سواء عبر وسطاء إقليميين أو دوليين)، مما يرفع من فرص إساءة تفسير التحركات العسكرية على الأرض.
    1. الملف النووي الإيراني: تسارع وتيرة التخصيب والوصول المحتمل لـ "عتبة النووي" يمثل خطاً أحمر استراتيجياً للولايات المتحدة، مما قد يدفع نحو خيار الضربات الوقائية.

2. العوامل التي تكبح المواجهة الشاملة (موانع الانفجار)

  1. كلفة الحروب المفتوحة: تدرك واشنطن أن أي مواجهة مباشرة مع إيران ستتحول سريعاً إلى حرب إقليمية واسعة تشمل استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة ومصادر الطاقة العالمية.
  2. استراتيجية الردع البديل: تفضل الولايات المتحدة استخدام أسلحة العقوبات الاقتصادية الخانقة، والعمليات الاستخباراتية الهجينة، بينما تفضل إيران تفعيل "حرب الوكالة" وتجنب الصدام المباشر لحماية الداخل.
  3. الأولويات الاستراتيجية الأمريكية: تحاول الإدارة الأمريكية تجنب الغرق في مستنقع عسكري جديد في الشرق الأوسط للحفاظ على تركيزها الاستراتيجي في مواجهة التمدد الصيني في المحيط الهادئ والتحديات في أوروبا.
    1. السيناريوهات المتوقعة لطبيعة المواجهة

أولا: السيناريو الأول 

  1. الحالة: حرب الاستنزاف والوكالة المستمرة
  2. مستوى الاحتمالية: مرتفعة جداً
    1. طبيعة التحرك العسكري: استمرار ضربات الفصائل الحليفة لإيران ضد المصالح الأمريكية، مقابل ردود فعل أمريكية منتقاة وموضعية دون استهداف العمق الإيراني.

ثانيا: السيناريو الثاني 

  1. الحالة: المواجهة المحدودة والخاطفة
  2. مستوى الاحتمالية: متوسطة 
    1. طبيعة التحرك العسكري: توجيه ضربات جراحية أمريكية (أو إسرائيلية بدعم أمريكي) لمنشآت نووية أو عسكرية إيرانية محددة، تليها ردود فعل إيرانية مركزة لعدة أيام ثم التهدئة

ثالثا: السيناريو الثالث

  1. الحالة: الحرب الإقليمية الشاملة
  2. مستوى الإحتمالية: منخفضة إلى متوسطة

ج. طبيعة التحرك العسكري: غزو عسكري أو قصف متبادل مفتوح يدمر البنية التحتية، وهو سيناريو لا يرغب فيه الطرفان ولكنه قد يحدث نتيجة خطأ في الحسابات التكتيكية (مثل هجوم يتسبب في خسائر بشرية أمريكية ضخمة).

 

واستنادا لما تقدم بات واقع المشهد الدولي والإقليمي اليوم في أواخر عام 2026، مقسماً إلى المحورين الرئيسييين:

 

أولاً: أمن الخليج، ممرات الطاقة، ووضع دول المشرق العربي

يتأثر هذا المحور بشكل مباشر بطبيعة التوترات الراهنة ومستويات التصعيد العسكري:

  1. أمن الخليج وممرات الطاقة (مرحلة التهديد الهجين):
    • سلاح المضائق: تظل مضائق المنطقة (هرمز وباب المندب) نقاط الاختناق الأكثر حرجاً للاقتصاد العالمي. أي مواجهة، حتى لو كانت محدودة، ترفع مباشرة من كلفة التأمين البحري وتُهدد سلاسل توريد الطاقة.
    • تكتيكات الردع: تدرك دول الخليج هذه المخاطر؛ لذا تنتهج دول مجلس التعاون الخليجي اليوم سياسة تعتمد على الدبلوماسية الوقائية وتصفير الأزمات مع طهران، بالتوازي مع تعزيز منظومات الدفاع الجوي والبحري الذاتية لحماية البنى التحتية النفطية وحقول الغاز من الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة.
  2. وضع دول المشرق العربي (ساحات الصراع المفتوحة):
    • السيادة الهشة: تعيش دول مثل لبنان، سوريا، والعراق تحت وطأة معادلة "ساحات المواجهة بالوكالة". هذه الدول هي الأكثر تأثراً بأي تصعيد أمريكي-إيراني، حيث تُستخدم أراضيها كمنصات لإرسال الرسائل العسكرية المتبادلة.
    • الإنهاك الاقتصادي والسياسي: يُعاني المشرق العربي من إرهاق اقتصادي حاد وتراجع في الاستقرار الداخلي؛ مما يجعل هذه الدول غير قادرة على تحمل تبعات حرب إقليمية ممتدة قد تؤدي إلى موجات نزوح جديدة أو انهيار كامل لمؤسسات الدولة.

 

ثانياً: مواقف القوى الدولية (الاتحاد الأوروبي، بريطانيا، روسيا، والصين)

تتحرك القوى الدولية في هذا الملف وفقاً لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، ويمكن تصنيف مواقفها كالتالي:

  1. الاتحاد الأوروبي:
  • التوازن الحرج: يرى في استقرار الشرق الأوسط ضرورة قصوى لمنع موجات الهجرة غير الشرعية وتأمين إمدادات الغاز البديلة
  • النهج: يفضل الحلول الدبلوماسية لمنع انهيار الأمن الإقليمي، لكنه يتماهى بشكل أكبر مع العقوبات الأمريكية بسبب التقارب الدفاعي الإيراني-الروسي.
  1. بريطانيا:
  • التنسيق العسكري الصارم: تتبنى بريطانيا موقفاً أكثر حزماً وتنسيقاً مع واشنطن، لاسيما في تأمين الملاحة البحرية (في البحر الأحمر وخليج عدن). 
  • النهج : المشاركة في عمليات الردع العسكري لحماية الممرات المائية.

ج. روسيا:

-    التحالف الاستراتيجي: تنظر موسكو إلى طهران كشريك جيوسياسي وعسكري أساسي في مواجهة النفوذ الغربي

-     المصلحة: المستفيد الأكبر من بقاء الولايات المتحدة مستنزفة في الشرق الأوسط، مما يقلل الضغط الغربي على الجبهة الأوروبية، فضلاً عن أن تصعيد ملف الطاقة يرفع أسعار النفط لصالحها.

د. الصين: 

-  الدبلوماسية الاقتصادية الهادئة: تعد الصين هي المستورد الأكبر للنفط الخليجي والإيراني، واستقرار المنطقة حيوي لمشروع " الحزام والطريق". 

-  النهج: ترفض التصعيد العسكري الأمريكي، وتستخدم ثقلها الدبلوماسي لتقريب وجهات النظر والتهدئة، مع الحفاظ على شراكاتها الاقتصادية المتنامية مع كافة الأطراف في الخليج وإيران دون الانزلاق لتحالف عسكري مباشر.

 

خلاصة المشهد:

بينما تسعى القوى الشرقية (روسيا والصين) لاستثمار الأزمة لتقويض الهيمنة الأمريكية، تحاول القوى الغربية الحفاظ على أمن الطاقة والملاحة، في حين تجد دول المنطقة (بين الخليج والمشرق) نفسها مجبرة على الموازنة الدقيقة بين بناء قدرات دفاعية رادعة وبين إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة لتجنب الانفجار.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية