اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب : "ما خفي من خطاب العرش: رسائل إلى الداخل والخارج"

{title}
أخبار الأردن -

د.محمد صبحي العايدي

لا يقرأ خطاب العرش من خلال الموضوعات المعلنة فقط، بل من خلال ترتيبها، والعبارات التي شدد عليها جلالة الملك، والجهات التي وجه إليها رسائله، ففي هذا الخطاب لا تبدو الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإدارية متفرقة؛ بل تأتي في معنى وسياق مترابط: حماية الأردن لا تكون بالقوة الأمنية وحدها، بل بوحدة المجتمع، وثبات الموقف الوطني، وعدالة المؤسسات، وصون كرامة المواطن.

استهل جلالته خطابه بذكر الإرهاب وشهداء الكرك، واستخدم وصف «الخوارج»، وهنا تتجاوز الرسالة مجرد إدانة الاعتداء الجنائي؛ ويمكن فهم وصفهم بالخوارج والتأكيد أنهم خارج الأسرة الأردنية بوصفه رسالة إلى عزل الإرهاب فكرياً ووطنياً، وفي القراءة الأعمق، لا ينبغي أن يفهم القبض على الجناة نهاية للملف، بل بداية لمواجهة الفكر الذي يبرر العنف والبيئات التي قد تعيد إنتاجه، وعبارة «عهد في أعناقنا» تنقل القضية من التعاطف إلى مسؤولية جماعية، كما أن التأكيد على أن المعتدين خرجوا عن الأسرة الأردنية يحمل رسالة وقائية في حماية الوحدة، وملاحقة الجريمة، وصون العيش المشترك.

أما القضية الفلسطينية، فلم ترد في الخطاب بوصفها واجب تضامن عربي فحسب، بل بوصفها جزءاً من أمن المنطقة واستقرارها، ومن ثم من الأمن الوطني الأردني، وتكتسب هذه الرسالة وزناً إضافياً لأنها جاءت عقب الانتخابات الإسرائيلية التي لم تمنح أي معسكر أغلبية واضحة، وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى شكل الحكومة المقبلة وسياساتها، ويمكن قراءة تأكيد الملك على الحقوق الفلسطينية، والتحذير لأي حكومة إسرائيلية قادمة من الأطماع التوسعية، وإلى الأطراف الدولية أن تجاوز الحقوق الفلسطينية لن يبقى محصوراً في فلسطين، بل يهدد المنطقة بأسرها، ومفاد الرسالة، في تقديري، أن الأردن لن يقبل أن تحمل مشروعات الآخرين كلفتها على أمنه أو سيادته، مهما ارتفعت كلفة رفضها.

وفي مخاطبة مجلس النواب، لا يكتفي الخطاب بتذكير النواب بمسؤولياتهم الدستورية؛ بل يضع أداءهم أمام ميزان الرأي العام، فالمجلس يقاس بما يشرّعه، وبما يمارسه من رقابة، وبالسلوك والخطاب اللذين يصدران عنه، ويمكن فهم هذه الرسالة، في ضوء ما أثارته بعض المواقف النيابية من انتقادات وأسئلة، على أنها دعوة إلى الارتقاء بمستوى التمثيل السياسي بما يليق بمكانة المجلس ودوره، فالمطلوب أن يكون المجلس حارساً للمصلحة العامة، ورقيباً فعلياً على الحكومة، لا أن تظل الرقابة عنواناً دستورياً بلا أثر.

ويحمل ربط التنمية بمعيشة المواطن دلالة تتجاوز تحسين المؤشرات الاقتصادية، فالفراغ الذي يصنعه الفقر أو الإقصاء أو انسداد الأفق قد تستغله الجماعات المتطرفة لبث خطابها، والتنمية ليست وحدها علاجاً للتطرف، لكنها حين تتوسع الفرص، وتحفظ الكرامة، سيترتب على ذلك التضييق على المساحات التي يتسلل منها هذا الفكر، ومن هنا تبدو الدعوة إلى تسريع المشاريع الكبرى والأمن المائي جزءاً من تحصين المجتمع، لا مجرد بند خدماتي أو اقتصادي.

وتأتي العبارة المتعلقة بالوظيفة العامة لتضع المسؤول أمام معيار واضح: المنصب خدمة ومسؤولية، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتعسف أو التضييق، ولقد أثارت تصرفات بعض المسؤولين في الآونة الأخيرة تساءلات حول حدود السلطة وحقوق العاملين في القطاع العام، ومدى اتساق الممارسة مع الحق الدستوري في التعبير عن الرأي، وحيث ممرت أنا شخصياً بتجربة مماثلة، أود أن أطرح سؤلاً عملياً: هل تناقش المؤسسات الحجة بالحجة، أم يدفع صاحبه ثمناً وظيفياً؟ الإجابة هنا ليست كلاماً، بل الممارسة الواقعية هي التي تكشف عن احترام القانون وكرامة الإنسان، مما يجعل خطاب جلالة الملك اليوم يلامس الواقع بكل شفافية ووضوح.

بهذا المعنى لا يوجه الخطاب رسائله إلى الحكومة والنواب وحدهم، بل يضع الدولة والمجتمع معاً معياراً للثقة في أن الأمن يحمي الجميع، وأن مؤسسات الدولة ستسأل عن أدائها ونتائجها ومدى تحقيقها للأهداف، وأن التنمية جزء أساسي لحفظ كرامة المواطن وتحصين المجتمع، وأن الرأي المسؤول والمخلص في الشأن العام يجب أن يحترم ويقدر لا أن يعاقب ويهاجم.

فالأردن الأقوى هو الذي يردع الإرهاب، ويرفض فرض الوقائع عليه، ويصون في الوقت نفسه حق أبنائه في الكلمة والمشاركة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية