كراجة يكتب : "أميتوا التطرف بالدستور"
سائد كراجة
حقوق المسيحي والمسلم في الأردن يقررها الدستور؛ فهو، إذ ينص على أن الإسلام دين الدولة وأن الشعب الأردني جزء من الأمة العربية، يقرر مساواة الأردنيين أمام القانون وإن اختلفوا في الدين، ويحمي حرية ممارسة شعائرهم الدينية، ويقرر، في نظم فريد، أن الحرية الشخصية مصونة.
وحقوق المواطنة تثبت لجميع حاملي الجنسية الأردنية، ولا تملك أي جهة الانتقاص منها. وقد نصّ الدستور على أن الحفاظ على “السلم الاجتماعي” واجب مقدس على كل أردني، وألزم الدولة بتعزيز قيم المواطنة و”التسامح” وسيادة القانون. وهذه التزامات دستورية أصيلة توافق عليها الأردنيون.
لكن مجزرة كنيسة حمود طرحت علينا سؤالين موجعين: لماذا لم ينقذ تاريخنا الطويل من التآخي أرواح الشهداء التسعة؟ وماذا وجد هؤلاء القتلة في التطرف مما لم يجدوه في مجتمعهم؟ نعرف أن للتطرف أسباباً سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية، وأن بعض الأفراد يجدون في تلك الجماعات معنى لحياتهم، وانتماءً ومكانة افتقدوها. فهل قدمنا للشباب ثقافة وطنية تزاحم هذه الجماعات في تشكيل وعيهم؟
وفي هذا السياق، فإن الجماعات المتطرفة لا تستثني أحداً؛ تكفّر المسلمين والمسيحيين، بل تنكر شرعية الدولة نفسها، وتوظف الحاكمية والولاء والبراء وأحكام الذمة وتقسيمات الديار والهجرة لتمنح نفسها سلطة الحكم على الناس. وتسعى إلى إلباس تطرفها ثوب الإسلام؛ فلا نساعدها على اختزال الدين في عنفها. وليس الخلاف مع أي دعوة سلمية لنقد رأي أو تبنّي آخر، بل مع ادعاء سلطة على الدولة والمواطنين، باسم فوقية عقدية أو تصور يحتكر المدنية.
الدولة في هذا السياق ليست فقيهاً متنوراً ينازع فقيهاً متطرفاً. مهمتها حماية الحقوق بالقانون، لا الفصل في العقائد. وقد آن لنا مراجعة تشريعات حماية “السلم الاجتماعي” والنظر في توحيد أحكامها، بنصوص واضحة تميز بين حرية الرأي والتحريض على العنف، وتحدد الأفعال المجرّمة دون التباس. ويطبقها قضاؤنا العادل دون إبطاء يخل بالعدالة، أو استعجال يهدر ضماناتها. فلا يُعاقب أحد على رأيه، ولا يفلت المحرّض على الاعتداء من المساءلة. وليكن القانون سيفاً على المحرّض ودرعاً للمختلف.
ولا يلغي ذلك دور المختصين في تفنيد التكفير من داخل الخطاب الديني؛ فقد استند إعلان مراكش إلى صحيفة المدينة لتأكيد حقوق المختلفين في الدين، وأكد الأزهر المواطنة المتساوية، ودعت “نهضة العلماء” في إندونيسيا إلى مخاطبة غير المسلم بوصفه مواطناً. وللأردن تجربته في “رسالة عمّان” و”كلمة سواء”. وهذه اجتهادات تعزز احترام الحقوق ولا تنشئها، ويمكن البناء عليها لفصل التطرف عن المرجعيات الدينية التي يدّعي تمثيلها.
وفي خطابه أمام مجلس الأمة، أكد جلالة الملك عبدالله الثاني أن اختلاف الرأي قوة ما دامت مصلحة الأردن غايته، وأن صدر الوطن رحب بالرأي المسؤول. ونبّه إلى أن الأردنيين ينظرون إلى سلوك النواب وخطابهم، لا إلى قوانينهم وحدها. وهذا توجيه للمؤسسات جميعاً أن تكون دستوريةً قولاً وفعلاً!
أيها الناس، لدينا في الورقة النقاشية الملكية السادسة تصور للدولة المدنية، يقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون دون خصومة مع الدين. وقد قصّرنا، وقصّرت مؤسسات الدولة، حين لم نمنحها ما تستحقه من تبنٍّ، ولم نحوّل مبادئها إلى ثقافة في التعليم والإعلام وممارسة السلطة. فالثقافة الدستورية تُكتسب بالممارسة والمساءلة.
جنابك: ملاحقة المعتدي وثني المتطرف عن تطرفه ضرورة، لكن الأهم أن نحصّن جبهتنا الأهلية بالثقافة المدنية الدستورية التي تجسّد العقد الاجتماعي الأصيل بين الأردنيين. وهذه مسؤولية الدولة والمجتمع معاً. لدينا الدستور والورقة النقاشية السادسة، ولا ينقصنا تصور للدولة التي نريدها، بل أن نجعل قيمها حاضرة في مؤسساتنا وحياة مواطنينا. فلتكن مجزرة حمود بداية هذه المراجعة؛ فالدستور لا يهزم التطرف بتعداد نصوصه، بل حين يجد الأردني في قيمه مصلحة وكرامة وانتماءً، فلا يكون في وطنه أقلية تنتظر الحماية، بل مواطناً كامل الحقوق.







