اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

البراري يكتب: الجغرافيا السياسية ومعادلة الأمن الوطني

{title}
أخبار الأردن -

هزاع البراري

لقد أكدت التجارب والأحداث التي حاولت المساس بأمن الأردن وتهديد سلامة أرضه ومواطنيه، والمحاولات الفاشلة لضرب السلم المجتمعي واللحمة الوطنية عبر عقود مضت، أن جلها وفد من خارج الحدود، وأن القليل منها نُفذ بأيدٍ محلية تم تصنيعه فكريا وتفخيخه أيديولوجيا من خلال جماعات تكفيرية تقبع خارج الحدود، وبعيدا عن التوظيف السياسي والأمني لبعض هذه الجماعات الشاذة من قبل قوى إقليمية قريبة وبعيدة، لتحقيق أهدافها داخل الأردن، إلا أن كل هذا يؤكد أنه لا يمكن بناء منظومة أمن قوية وعصرية لحماية الأردن أرضا ودولة ومؤسسات ومواطنين داخل الحدود السياسية فقط، بل إن القدر الجغرافي وضع الأردن دوما تحت ضغط تأثيرات ما يجري في مسرح جواره بشكل أصبح أكثر وضوحا وتعقيدا في السنوات الأخيرة، وهو واقع لا يمكن تجاهله وغض الطرف عنه، فنحن في منطقة التأثر المباشر، والأثمان التي ترتبت علينا نتيجة لهذا الواقع الشائك في مختلف النواحي باهظة ومزمنة.

واقع معقد تتداخل فيه عناصر وغايات وقوى، مما يجعل التحرك فيه بالغ الصعوبة وثقيل الخطى، لكن نظريات الأمن الداخلي لن تحقق أهدافها دون تأمين المحيط الجيوسياسي الحيوي للدولة، فلا يمكن بناء جدران محصنة تحيط بالدولة من كل الجهات، ولا يمكن قطع طرق المواصلات وخطوط الاتصالات، وحظر الإنترنت، لا يمكن العيش بعزلة تامة، هذا وضع غير منطقي ولا يمكن التفكير فيه أبدا، ولا يمكن أيضا اتباع النهج الإسرائيلي، الذي يسعى لدرء المخاطر وحماية الداخل من خلال احتلال المحيط الحيوي، وفرض عازل أمني بالقوة الغاشمة، فهذا نهج لم ينجح وفرض مزيدا من المخاطر والتحديات، وهي السياسة التي يقف في وجهها الأردن بحزم.

إن أساس خطر المحيط الجيوسياسي الذي يهدد الأمن الوطني الأردني، ناتج في الأساس عما تعانيه وعانته عدد من دول الجوار على مدى عقود من الحروب الداخلية والخارجية، وضعف سلطة الدولة المركزية، مما جعل من الأقاليم الحدودية مناطق رخوة وبيئات خصبة لنمو جماعات تكفيرية متطرفة، وأخرى تعد ميليشيات تتبع لأوامر دول طامعة ببناء نفوذ سياسي وعسكري يصادر سيادة الدولة، ويحولها إلى كيانات تابعة، تعمل بالوكالة عن الدولة صاحبة النفوذ الفصائلي والميليشياوي، وهو أمر ألقى بأعبائه الجسام على صدر الأردن، فتعرض لهجمات متعددة الأشكال استهدفت أرضه وأمنه ومواطنيه، وقد أفشل العديد منها استخباراتيا بعمليات استباقية، فكك خلالها خلايا نشطة وأخرى تخرج من سباتها، وقاد عمليات استخبارية مؤثرة خارج الحدود، لكن كل هذا لم يحل دون تسرب عدد من هذه العمليات التي ضربت داخل الأردن، ولولا يقظة الأردن التي أفشلت كثيرا مما خُطط له لكانت النتائج مؤلمة.

منذ سقوط نظام الأسد والأردن يمسك بيد الحكومة الجديدة، من أجل تقوية عضدها ومساعدتها على بسط سيادتها الكاملة على مناطق الجنوب السوري، والعمل معها بشكل حثيث على أن يكون الجيش السوري وقوى الأمن السورية هي صاحبة اليد والولاية على هذا الفضاء الحيوي للدولتين، وهو الامتداد الذي غابت عنه الدولة السورية فترة طويلة، ويواجه الأردن مخاطره وحده، فهو في مواجهة يومية مع جماعات وعصابات تحاول اختراق أسوار قلعته الحصينة، من خلال عمليات التهريب ونقل الأسلحة والمخدرات، ونقل الأفكار المتطرفة، وتأسيس خلايا إرهابية مسلحة، وتزويدها بالخطط والأهداف المدنية والأمنية، بغية نقل الفوضى إلى الداخل الأردني تحقيقا لمصالح دول وجهات وجماعات تحالفت معها، وهذا يؤكد أن ليس للأردن من خيار غير المواجهة خارج الحدود في سبيل تأمين المجال الحيوي، وهو حق مشروع طالما جاء التهديد لأمن الأردن من هذا المجال، ما لم تعمل كل دولة على بسط سيادتها، ونزع أسلحة الجماعات وتفكيكها وتصفيتها، والقضاء على منابع الفكر المتطرف، وبناء علاقات حسن الجوار على أساس الأمن المشترك وإعادة لغة التنمية والبناء والشراكة مكان الجماعات والعصابات وبؤر الإرهاب العابر للحدود

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية