اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

النقرش يكتب: (الإسلام بريء منهم… والأردن ليس لقمة سائغة للإرهاب)

{title}
أخبار الأردن -

د ابراهيم النقرش

لم يكن ما حدث في قرية حمود بمحافظة الكرك يوم أمس الجمعة، 23 تشرين الأول، مجرد جريمة إطلاق نار استهدفت مواطنين مسيحيين خلال مراسم تشييع، وأودت بحياة تسعة أشخاص وأصابت العشرات، بل كان جرحاً أصاب جسد المجتمع الأردني كله، وهز مشاعر كل أردني، مسلماً كان أم مسيحياً. فالمصاب واحد، والحزن واحد، والوجع يسكن كل بيت أردني.

إن أول ما يجب أن نقوله بوضوح ودون تردد: الإسلام بريء من هؤلاء المجرمين، ومن كل من يتخذ الدين ستاراً لقتل الأبرياء وترويع الآمنين. فالإسلام الذي نعرفه ليس دين قتل وكراهية وإقصاء، بل دين رحمة ومحبة وتسامح وعدل وإخاء. ولا يجوز أن نسمح لمجموعة من أصحاب الأفكار المتطرفة أن تختطف اسم الإسلام وتشوه صورته، أو أن تنصب نفسها وصية على دين الله، وتقرر من يستحق الحياة ومن لا يستحقها.

لقد كان القرآن الكريم واضحاً في احترام حرية المعتقد، فقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. كما قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. فأي فهم لهذا الدين يسمح بقتل إنسان لمجرد اختلافه في الدين أو المعتقد؟ وأي إسلام هذا الذي يستبيح دماء أناس يعيشون بيننا ويشاركوننا الوطن والحياة والمصير؟.

وفي سيرة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثال آخر لا يقل عظمة؛ فقد رأى رجلاً يهودياً مسناً يسأل الناس، فسأل عنه، وعلم أنه كبر وضعف، فأمر أن يُفرض له من بيت مال المسلمين ما يكفيه، وألا يُترك محتاجاً، بعد أن أشار إلى أن من غير العدل أن نأخذ منه في شبابه ثم نتركه في شيخوخته. وهكذا كان مفهوم الدولة والعدل والإنسانية في الإسلام.

حتى في الحروب، التي هي أقسى ظروف الصراع بين البشر، وضع الإسلام ضوابط أخلاقية لا يجوز تجاوزها. فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والأطفال، وثبت في صحيح البخاري وصحيح مسلم أنه أنكر قتل امرأة وُجدت في إحدى المعارك. كما نهى عن الغدر والتمثيل بالجثث وقتل من لا يشارك في القتال. وأوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيوشه بعدم قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وعدم الاعتداء على العابدين في صوامعهم. فإذا كان الإسلام ينهى عن قتل الأبرياء حتى في ساحات الحرب، فكيف يمكن أن يقبل قتلهم وهم آمنون في أماكن عبادتهم ومناسباتهم الإنسانية؟

إن ما حدث في الكرك غريب عن ديننا، وغريب عن أخلاقنا، وغريب عن تاريخ شعبنا الأردني. فنحن في الأردن لم نتربَّ على سؤال بعضنا: ما دينك؟ قبل أن نسأل: من أنت؟ ولم نعرف أنفسنا يوماً إلا أسرة أردنية واحدة، عاش المسلم والمسيحي فيها جنباً إلى جنب، وتقاسما الأفراح والأحزان، والمدرسة والجامعة والعمل، والدفاع عن الوطن وبناء مؤسساته.

المسيحي الأردني ليس ضيفاً على هذا الوطن، والمسلم ليس صاحب امتياز فيه؛ فكلاهما مواطن له الحقوق وعليه الواجبات، وكلاهما شريك في تاريخ الأردن وحاضره ومستقبله. تجمعنا الأرض والهوية والتراث والذاكرة الوطنية والمصير المشترك. ولذلك فإن الاعتداء على مواطن مسيحي هو اعتداء على مواطن أردني، تماماً كما أن الاعتداء على أي مسلم هو اعتداء على الأردن كله.

وهنا لا بد أن نتوقف عند حقيقة مهمة: إن الدول الحديثة لا تُبنى على التشابه في الدين أو الفكر أو المعتقد، ولا تقاس قوة المجتمع بمدى اتفاق أفراده على أفكار واحدة، وإنما تقاس بقدرته على استيعاب الاختلاف وإدارته وتحويل التنوع إلى مصدر قوة وإبداع واستقرار.

الدولة الحديثة لا تسأل مواطنيها عن معتقداتهم لتحدد مكانتهم وحقوقهم، بل تسألهم عما يقدمونه لوطنهم ومجتمعهم. وهي بحاجة إلى كل مواطن، وإلى كل عقل منتج، وإلى كل جهد مخلص، بصرف النظر عن دين صاحبه أو خلفيته الفكرية. فالتنوع الديني والثقافي والفكري ليس تهديداً للوطن، بل يمكن أن يكون أحد أهم عوامل نجاحه وتقدمه.

ومن منظور اقتصادي واجتماعي، لا يمكن لأي دولة أن تحقق التنمية والاستثمار والازدهار في ظل الخوف والانقسام والتعصب. فالاقتصاد يحتاج إلى الأمن والثقة والاستقرار، والاستثمار يحتاج إلى بيئة آمنة، والمجتمع يحتاج إلى التماسك والتعاون. وكلما ضعفت الثقة بين المواطنين، تراجعت قدرة المجتمع على الإنتاج والبناء، وازدادت كلفة الأزمات على الدولة والمواطن.

إن الإرهاب لا يقتل الإنسان وحده، بل يقتل معه الثقة، ويضرب الاستقرار، ويضعف الانتماء، ويفتح أبواب الفتنة والتفكك. ومن هنا فإن هذه الجريمة لا يمكن النظر إليها باعتبارها اعتداءً على أشخاص فقط، بل باعتبارها محاولة خطيرة للمساس بالنسيج الوطني وزعزعة أمن المجتمع واستقراره

إن الأردن أكبر من هذه الجريمة، وأقوى من أصحاب هذه الأفكار المريضة. ولن نسمح لمن يحملون أفكار الكراهية والتكفير أن يفرقوا بين أبناء الأسرة الأردنية الواحدة، أو أن يعيدونا إلى زمن الانغلاق والصراعات الدينية.

فالأردن ليس مسلمين ومسيحيين يعيشون جنباً إلى جنب فحسب، بل وطن واحد وشعب واحد ومصير واحد. ومن يعتدي على أحد أبنائه إنما يعتدي على الأردن كله

نحن ليس مطالبين بأن نكون متشابهين في أدياننا وأفكارنا حتى نكون إخوة في الوطن؛ نحن مطالبون بأن نحترم اختلافنا، ونحمي وطننا، ونعترف بأن كرامة الإنسان وحقه في الحياة لا تحددهما ديانته أو معتقده. فالأوطان لا يحميها التعصب، بل يحميها العدل والمواطنة والانتماء

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية