العثامنة يكتب: الأردن: الخوف من مواجهة الخوف
لم يكن ما جرى في مدرسة ساكب الثانوية للبنات بمحافظة جرش مجرد خلاف حول لباس الطالبات، ولا كانت مبادرة "كاللؤلؤ المكنون" نشاطا مدرسيا عابرا يمكن إغلاق ملفه بإجراء إداري، فقد كشفت الحادثة عن مشكلة أعمق تتعلق بسلطة الدولة داخل مؤسساتها، وبقدرة خطاب ديني محافظ، يتسلل التشدد إلى بعض مساحاته، على استدعاء قوة اجتماعية وسياسية تجعل المؤسسة الرسمية في موقع الدفاع عن صلاحياتها، بدلا من أن تكون هي المرجعية التي تضبط ما يجري داخل مدارسها.
المبادرة التي شجعت الطالبات على ارتداء ما وصفه منظموها بالزي الشرعي، نُفذت بحسب وزارة التربية دون الموافقات والتنسيق المطلوبين، وأثارت مسألة تصوير الطالبات ونشر صورهن، لكن الجدل تجاوز بسرعة حدود الإجراء الإداري ليتحول إلى مواجهة حول الدين والهوية والفضيلة، فيما ظهر أن التأييد المجتمعي للمبادرة، بما فيه من حضور سلفي محافظ كامن وحاضر في الوقت نفسه، يستطيع أن يضع الوزارة نفسها في موقع المتهم.
وفي ذروة هذا الجدل، قال لي مسؤول رفيع المستوى في الدولة، وهو لا يزال على رأس عمله، عبارة أعتقد أنها تختصر مأزقا أردنيا يتجاوز المدرسة والمبادرة: "جميع مؤسسات الدولة ورموزها وكتابها صمتوا، مصدر الخطر بين واضح والقصف موجه لهدف آخر".
كانت العبارة لافتة لأنها جاءت من داخل الدولة نفسها، ومن مسؤول يدرك أن المشكلة ليست في وجود خطاب متشدد وحده، وإنما في الصمت الذي يحيط به، وفي حسابات الخوف التي تدفع مؤسسات ورموزا وكتابا إلى تجنب المواجهة، وكأن الدفاع عن مرجعية القانون والعقل والمواطنة أصبح مغامرة سياسية واجتماعية لا يريد كثيرون دفع ثمنها.
وبعد أيام قليلة جاءت جريمة كنيسة حمود في الكرك لتعيد السؤال بصورة أشد مأساوية، لا بمعنى وجود علاقة بين المبادرة المدرسية والجريمة الإرهابية، ولا باعتبار التدين المحافظ طريقا حتميا إلى العنف، وإنما لأن الحادثتين تضعان أمامنا سؤالا أكبر عن حدود استعداد الدولة لمواجهة الإقصاء الديني، قبل أن يصل عند بعض معتنقيه إلى التحريض أو القتل.
والمشكلة أن هذا السؤال ليس جديدا، فقد مضت أكثر من عشرين سنة على تفجيرات فنادق عمّان عام 2005، ثم توالت الإنذارات، من هجوم مركز تدريب الموقر عام 2015 إلى خلية إربد في مارس 2016، وهجوم مكتب المخابرات في البقعة الذي قتل خمسة من مرتبات الجهاز في يونيو من العام نفسه، ثم تفجير الركبان واغتيال الكاتب ناهض حتر بعد تهديدات وتحريض ديني، وصولا إلى هجوم قلعة الكرك في ديسمبر 2016، ثم أحداث الفحيص والسلط عام 2018.
هذه ليست وقائع يمكن جمعها في أرشيف الإرهاب ثم إغلاق ملفاتها، بل سلسلة متراكمة من التحذيرات التي كان ينبغي أن تقود إلى مراجعة وطنية عميقة، تتجاوز مطاردة الخلايا وتعقب السلاح إلى تفكيك الأفكار التي تبرر الكراهية وتمنح العنف شرعية دينية متخيلة.
لقد نجحت الدولة الأردنية أمنيا في مواجهة الإرهاب، وقدمت تضحيات كبيرة، لكن قوتها في المواجهة المسلحة لم ترافقها دائما شجاعة مماثلة في المجال الفكري والثقافي والتربوي، وكأن هناك استعدادا لمحاربة الإرهابي بعد أن يحمل السلاح، يقابله تردد في مواجهة الخطاب الإقصائي الذي قد يسهم في تشكيل قناعاته قبل ذلك بسنوات.
وأعتقد أن وصف ما جرى بالإهمال وحده لم يعد كافيا، فحين تعرف الدولة طبيعة الخطر وامتداداته، وتملك أدوات مواجهته، لكنها تفضل الاحتواء والمسايرة خشية الصدام مع قوى اجتماعية ودينية محافظة، فإن الإهمال المتكرر يصبح في نتائجه شكلا من أشكال التواطؤ السياسي، لا مع منفذي الجرائم، وإنما مع استمرار البيئة التي تسمح للأفكار المتشددة بالنمو.
وتظهر المفارقة الأكثر إيلاما اليوم في مشروع إصلاح التعليم الأردني، الذي يحظى برعاية رسمية عالية، لكنه لا يجد، في تقديري، إسنادا سياسيا ومجتمعيا يتناسب مع حجم المعركة التي يخوضها، إذ يقود وزير التربية فريقا من النخب التنويرية والمعرفية التي تقاتل بضراوة ويأس معا، بضراوة لأنها تعرف أن إصلاح التعليم هو المدخل الحقيقي لتغيير المستقبل، وبيأس لأنها تجد نفسها أمام تيارات محافظة تسلل إلى بعض خطابها التشدد، وتستدعي الدين والعادات المتصلبة لمحاصرة التغيير.
ولا أتحدث هنا عن الاعتراض المشروع على المناهج والسياسات التعليمية، وإنما عن خطاب يتعامل مع الإصلاح بوصفه اعتداء على الدين والهوية، ويصل عند بعض أطرافه إلى التخوين والتكفير، حتى يصبح الإصلاحي مطالبا بإثبات إيمانه وانتمائه قبل أن يسمح له بشرح مشروعه.
وقد دفعت هذه البيئة، كما أعرف من تجارب كفاءات تربوية ومعرفية أردنية، بعض أصحاب الخبرة إلى الخروج من البلاد، لتجد دول الجوار في معارفهم ما لم يستطع بلدهم الاستفادة منه، بعدما وجدوا أن خوض معركة الإصلاح التعليمي بلا إسناد رسمي حازم قادر على اتخاذ القرار وتحمل كلفته لا يتجاوز استنزاف الوقت والجهد.
وهذه ليست خسارة خبراء فحسب، وإنما خسارة جزء من قدرة الدولة على صناعة أجيالها المقبلة، فالتعليم لا يتطور بإعلان النوايا، ولا يمكن أن يظل مشروع التحديث معلقا على شجاعة وزير وفريقه، بينما تقف مؤسسات أخرى مترددة أمام حملات التعبئة والاتهام.
لكن ما كشفته جريمة الكرك لم يقتصر على أزمة الدولة مع الخطاب المتشدد، بل ظهر أيضا في اللغة الاجتماعية العادية التي امتلأت بها وسائل التواصل الاجتماعي بعد الجريمة، حين أخذ كثيرون، بحسن نية على الأرجح، يكررون تعبيرات مثل "إخواننا المسيحيين" و"المسيحيون ملح الأرض"، في محاولة للتضامن والمواساة، دون الانتباه إلى أن هذه اللغة قد تعيد إنتاج تمييز ضمني بين مواطنين يتضامنون ومواطنين يتلقون التضامن.
ليست المشكلة في النوايا الطيبة، ولا في المحبة التي تحملها هذه العبارات، وإنما في الإطار الذهني الذي يجعل المسيحي الأردني بحاجة دائمة إلى تعريف ديني يسبق مواطنته، أو إلى مديح خصوصيته ليحصل على مكانته في الجماعة الوطنية، فيما يفترض أن تكون صفته الأولى والنهائية في علاقته بالدولة أنه مواطن، له الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها، لا ضيف كريم ولا شريك يحتاج إلى شهادة قبول من أكثرية دينية.
فالضحايا في كنيسة حمود مواطنون أردنيون، وهذه هي الصفة الجامعة التي ينبغي أن تكون نقطة البداية في خطاب الدولة والمجتمع، أما ديانتهم فهي جزء أصيل من هويتهم الشخصية والدينية، لكنها لا تمنحهم مواطنة استثنائية ولا تنتقص من مواطنتهم شيئا.
ولا أقول إن عبارة "إخواننا المسيحيين" إقصائية بالضرورة أو إن من يستخدمها يحمل نية سيئة، بل إن خطورتها تظهر حين تصبح بديلا متكررا عن فكرة المواطنة، وحين يبدو التضامن وكأنه صادر عن جماعة دينية أكبر تمنح حمايتها لجماعة أصغر، بدلا من أن يكون موقف مواطنين تجاه مواطنين وقع عليهم اعتداء.
وهنا يصبح السؤال أكبر من المفردات، لأن دولة عبرت مئويتها الأولى وتتحدث عن إصلاح سياسي متقدم، وعن تحديث الأحزاب والمؤسسات وتوسيع المشاركة، لا تستطيع إنجاز هذا التحول دون وعي مجتمعي مكتمل بفكرة المواطنة، فالتحديث السياسي لا يقوم على صناديق الاقتراع والتشريعات وحدها، وإنما يحتاج إلى مجتمع يعترف أفراده بأن اختلاف الدين والمذهب والرأي لا يؤسس لمراتب متفاوتة من الانتماء.
وليس هذا مطلبا ثقافيا طارئا، بل هو جوهر النص الدستوري الذي يقرر مساواة الأردنيين أمام القانون دون تمييز بسبب الدين أو اللغة أو العرق، ولذلك فإن المطلوب ليس اختراع تعريف جديد للأردنيين، وإنما نقل التعريف الدستوري من الورق إلى اللغة اليومية والسلوك الرسمي والمدرسة والخطاب العام.
ومن هنا أيضا لا يجوز أن يقتصر الحزن الرسمي على إعلان الحداد أو إصدار بيانات الإدانة، مهما كانت ضرورية، لأن الجريمة التي تستهدف مواطنين داخل كنيسة تحتاج إلى شجاعة رسمية على أعلى مستوى، وإلى حضور واضح من المسؤولين والرموز العامة في خطاب مواجهة لا يخشى تسمية الكراهية والتحريض والتكفير، ولا يختبئ خلف العبارات التقليدية التي تدين الإرهاب دون الاقتراب من أفكاره وحواضنه.
وإذا كانت زيارة الكنيسة للتعزية والتضامن مطلوبة، فإن الأهم هو أن تكون زيارة من داخلها لا مجرد وقفة عند أبوابها، وأن يدخل المسؤولون إليها باعتبارها جزءا من الفضاء الوطني الذي تتحمل الدولة مسؤوليته، لا باعتبارها مساحة دينية غريبة تقتضي الحذر في الاقتراب منها.
فالدخول إلى الكنيسة هنا ليس طقسا دينيا يطلب من المسؤول اعتناقه، وإنما فعل مدني وسياسي يعلن أن الدولة حاضرة بمؤسساتها وشرعيتها داخل كل مكان يجتمع فيه مواطنوها، وأن الحماية لا تصدر عن أكثرية تجاه أقلية، بل عن دولة قانون تجاه مواطنين متساوين.
ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستبدل فكرة المواطنة بفكرة حماية الأقليات، لأن الحماية بهذا المعنى قد تكرس، ولو دون قصد، انقساما بين من يملك القدرة على منح الأمان ومن ينتظر الحصول عليه، بينما الدولة الدستورية لا تمنح مواطنيها المساواة على سبيل التسامح أو الرعاية، بل تعترف بها باعتبارها حقا أصيلا لا يحتاج إلى إذن من أحد.
وهذه المعركة لا تنفصل عن التعليم، بل تبدأ منه، فمن المدرسة يتعلم الطفل أن زميله المختلف في الدين ليس استثناء يحتاج إلى قبول، وأن الدولة ليست امتدادا لهوية دينية واحدة، وإنما إطار قانوني وسياسي جامع، وأن الدفاع عن حقوق الآخر ليس مكرمة أخلاقية بل دفاع عن حقوقه هو أيضا.
وربما يكون الأجدى الآن أن تتجه أنظار الدولة إلى المعركة الطويلة التي تدور داخل منظومة التعليم، لا باعتبارها خلافا فنيا حول المناهج والامتحانات، وإنما باعتبارها معركة لاستعادة دور الدولة في بناء وعي الأجيال الناشئة، وحماية المدرسة من التحول إلى ساحة نفوذ لمرجعيات موازية، وتكوين عقل قادر على السؤال والتمييز واحترام المختلف.
فما نتركه اليوم من أفكار إقصائية داخل الصفوف والفضاء الاجتماعي قد نجد أنفسنا بعد عشر سنوات أمام بعض نتائجه في صورة خلايا متطرفة يورد خبر عاجل أسماء ضحاياها، ويعيد إلينا وجعا أشد مما نحتمل، وليس معنى ذلك أن كل طفل يتعرض لخطاب محافظ سيصبح إرهابيا، وإنما أن ترك الكراهية تنمو دون مواجهة يزيد الأخطار التي يفترض أن يمنعها التعليم قبل أن تضطر الأجهزة الأمنية إلى التعامل معها.
لقد مضت أكثر من عشرين سنة على تفجيرات عمّان، وتوالت العمليات والضحايا والنجاحات الأمنية، لكن السؤال الذي لم يجد جوابه الكافي حتى اليوم هو لماذا لم تتحول تلك الدماء إلى مشروع فكري وتربوي وطني يعالج جذور التطرف بالعمق الذي واجهنا به خلاياه المسلحة.
ولا يمكن إعفاء مركز صناعة القرار في الدولة من مراجعة جوهرية لأدواته وآليات عمله، فحادثة بحجم جريمة الكرك، معطوفة على إرهاصات وتحذيرات تراكمت لسنوات، تستدعي في الحد الأدنى مراجعة رسمية جادة تحدد مواطن الخلل والمسؤوليات، وقد تنتهي، حيث تثبت المسؤولية، إلى إعفاءات من مواقع القرار، لا بحثا عن كبش فداء، وإنما تكريسا لمبدأ أن المسؤولية العامة تقترن بالمحاسبة، وأن الإخفاقات الكبرى لا يجوز أن تمر دون تبعات مؤسسية واضحة.
وربما كان المسؤول الذي حدثني أكثر دقة مما تصور، فمصدر الخطر ظاهر، لكن القصف موجه إلى هدف آخر، وتلك ليست مجرد مشكلة في تقدير الأولويات، وإنما معضلة دولة تريد التحديث وتخشى مواجهة ما يعطله، وتدرك ضرورة الإصلاح لكنها تتردد في الدفاع عن الإصلاحيين.
فالإرهاب الذي نخشاه بعد عشر سنوات لن تبدأ حكايته يوم يصل الخبر العاجل، بل ربما تكون بعض مقدماته حاضرة اليوم في مدرسة نخشى حمايتها من الوصاية، أو في خطاب كراهية نخشى مواجهته، أو في عبارة تضامن حسنة النية لم نتوقف عند ما تخفيه من فهم ناقص للمواطنة، أو في مسؤول يتردد في دخول كنيسة لأنه لا يريد مواجهة سؤال اجتماعي لم يعد يجوز تأجيله.
الدولة التي تريد العبور إلى مئويتها الثانية بإصلاح سياسي حقيقي، عليها أولا أن تتحلى بالشجاعة للدفاع عن مواطنيها جميعا، لا باعتبارهم جماعات دينية تتجاور تحت رعايتها، وإنما باعتبارهم شعبا واحدا يحكمه دستور وقانون، وتلك ليست معركة علاقات عامة بعد جريمة إرهابية، بل معركة الوعي التي كان ينبغي أن نخوضها منذ زمن طويل.






