اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدلابيح يكتب: الجيش العربي في عصر الحروب الرقمية... قوة الردع وحدود القانون الدولي الإنساني

{title}
أخبار الأردن -

 

د. يوسف فايز يوسف الدلابيح
مختص بحقوق الإنسان والتاريخ السياسي والقانون الدولي

تكتسب جهود تطوير القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة في طبيعة الصراعات الحديثة، ولا سيما مع الاهتمام الملكي بمتابعة جاهزية القوات المسلحة وخطط تحديثها. فالزيارات التفقدية التي يقوم بها جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى القيادة العامة تمثل مناسبة لتسليط الضوء على متطلبات التطوير العسكري، وما تفرضه الحروب الرقمية والتهديدات السيبرانية من تحديات جديدة أمام مفاهيم الدفاع والردع وحماية الأمن الوطني.

لم تعد القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين تُقاس بما تمتلكه الجيوش من أسلحة تقليدية وقدرات ميدانية فحسب، بل باتت ترتبط أيضًا بقدرتها على حماية منظومات الاتصال والمعلومات، وتأمين البنية التحتية الحيوية، ومواجهة التهديدات السيبرانية والحروب الهجينة. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد تطوير القدرات التكنولوجية خيارًا تكميليًا، بل أصبح جزءًا من متطلبات الجاهزية العسكرية، بما يشمل الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية وتوظيف التقنيات الحديثة في تحليل المعلومات وتقدير المخاطر والاستجابة للتهديدات.

ومن منظور التاريخ السياسي، ارتبطت مكانة الجيش العربي بدوره في حماية الدولة وصون أمنها، وبما راكمه من خبرة في التعامل مع التحديات الإقليمية. واليوم، تفرض التحولات التقنية ضرورة مواصلة تطوير القدرات البشرية والعملياتية، وتعزيز التدريب والتنسيق، بما يضمن مواكبة طبيعة التهديدات الحديثة دون الإخلال بالثوابت الدفاعية أو متطلبات الاستقرار. فالتفوق العسكري لا يتحقق بمجرد امتلاك التكنولوجيا، بل بالقدرة على توظيفها بكفاءة ضمن رؤية استراتيجية واضحة.

غير أن تطور وسائل القتال يثير تساؤلات جوهرية حول حدود استخدام التكنولوجيا في النزاعات المسلحة، ومدى انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني على العمليات السيبرانية. فالتغير في أدوات المواجهة لا يلغي القواعد التي تهدف إلى حماية الإنسان أثناء النزاعات، بل يجعل فهمها وتطبيقها أكثر أهمية، خصوصًا عندما يمكن أن تمتد آثار الهجمات الرقمية إلى مرافق مدنية حيوية.

وفي هذا السياق، يبرز مبدآ التمييز والتناسب بوصفهما من الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني. إذ يقتضي مبدأ التمييز التفريق بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، فيما يحظر مبدأ التناسب الهجمات التي يُتوقع أن تسبب أضرارًا عرضية للمدنيين أو للأعيان المدنية تكون مفرطة قياسًا بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة. وتزداد أهمية هذين المبدأين عندما تتصل العمليات السيبرانية بأنظمة تستخدمها جهات عسكرية ومدنية في آن واحد، أو عندما تهدد آثارها المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات.

ولا يعني ذلك أن كل عملية سيبرانية تخضع تلقائيًا لجميع أحكام القانون الدولي الإنساني؛ إذ يتوقف تحديد القواعد المنطبقة على سياق العملية وصلتها بنزاع مسلح وطبيعة آثارها. لكن هذه التعقيدات تؤكد ضرورة أن يواكب التطور التكنولوجي وعي قانوني ومؤسسي يراعي حماية المدنيين، ويعزز التقدير المسؤول للمخاطر، ويدعم الالتزام بالقواعد القانونية ذات الصلة.

ومن هنا، تبرز أهمية التعاون بين المؤسسات العسكرية والجهات الوطنية المختصة بالقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اللجنة الوطنية الأردنية للقانون الدولي الإنساني، في نشر المعرفة القانونية وتعزيز التدريب وتبادل الخبرات. فبناء القدرات الدفاعية الحديثة لا ينفصل عن تأهيل الكوادر القادرة على فهم الأبعاد القانونية والأخلاقية للتقنيات الجديدة، ولا عن تطوير الممارسات التي تساعد على الحد من المخاطر وحماية المرافق الحيوية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، تمنح علاقات الأردن الدولية ومشاركته في الجهود متعددة الأطراف فرصة للإسهام في النقاشات المتعلقة بالأمن الرقمي وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي. كما تمثل عضوية المملكة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة 2027–2029 مسارًا لتعزيز الحوار بشأن الحقوق والحريات، فيما يشكل تطوير القدرات الدفاعية مسارًا آخر يرتبط بحماية الأمن الوطني. ويلتقي المساران في أهمية احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون، مع الحفاظ على التمييز بين الالتزامات الحقوقية والسياسات العسكرية.

كذلك تؤكد الخبرة الأردنية في التعامل مع الأزمات الإقليمية والمشاركة في الجهود الإنسانية والإغاثية أن الأمن لا يقتصر على حماية الحدود والمنشآت، بل يشمل أيضًا حماية المدنيين ودعم الاستقرار والاستجابة للاحتياجات الإنسانية. وفي عصر الحروب الرقمية، تكتسب حماية الخدمات الأساسية والبنية التحتية المدنية أهمية إضافية، لما قد يترتب على تعطيلها من آثار مباشرة على حياة الناس وحقوقهم.

إن التحدي أمام الجيوش الحديثة لا يتمثل في امتلاك أدوات الردع الأكثر تقدمًا فحسب، بل في القدرة على توظيفها بكفاءة ومسؤولية، ضمن منظومة تجمع بين الجاهزية والتخطيط والتدريب والانضباط القانوني. فالتكنولوجيا تمنح القوات المسلحة وسائل جديدة للاستشعار والتحليل والاستجابة، لكنها تفرض في الوقت نفسه مسؤوليات أكبر في تقدير النتائج ومراعاة آثار العمليات على المدنيين.

وفي هذا الإطار، يظل تطوير الجيش العربي ضرورة تفرضها التحولات الأمنية والتكنولوجية، فيما يمثل القانون الدولي الإنساني إطارًا أساسيًا لضبط استخدام القوة وحماية الإنسان أثناء النزاعات المسلحة. وكلما تكاملت القدرات العسكرية الحديثة مع التدريب المتخصص والوعي القانوني، تعززت فرص مواجهة التهديدات بكفاءة، والحد من المخاطر، وصون الاستقرار.

إن قوة الدولة في عصر الحروب الرقمية لا تقاس بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرتها على الجمع بين الردع المسؤول واحترام القانون. فالقوة التي تحمي الوطن تزداد رسوخًا عندما تقترن بحسن التقدير والانضباط، وتظل حماية الإنسان والالتزام بالقواعد القانونية من المعايير الأساسية التي تقاس بها مسؤولية القوة في عالم تتداخل فيه ساحات المواجهة وتتسع فيه تحديات الأمن والسلام.

د. يوسف فايز يوسف الدلابيح
مختص بحقوق الإنسان والتاريخ السياسي والقانون الدولي

تكتسب جهود تطوير القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة في طبيعة الصراعات الحديثة، ولا سيما مع الاهتمام الملكي بمتابعة جاهزية القوات المسلحة وخطط تحديثها. فالزيارات التفقدية التي يقوم بها جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى القيادة العامة تمثل مناسبة لتسليط الضوء على متطلبات التطوير العسكري، وما تفرضه الحروب الرقمية والتهديدات السيبرانية من تحديات جديدة أمام مفاهيم الدفاع والردع وحماية الأمن الوطني.

لم تعد القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين تُقاس بما تمتلكه الجيوش من أسلحة تقليدية وقدرات ميدانية فحسب، بل باتت ترتبط أيضًا بقدرتها على حماية منظومات الاتصال والمعلومات، وتأمين البنية التحتية الحيوية، ومواجهة التهديدات السيبرانية والحروب الهجينة. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد تطوير القدرات التكنولوجية خيارًا تكميليًا، بل أصبح جزءًا من متطلبات الجاهزية العسكرية، بما يشمل الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية وتوظيف التقنيات الحديثة في تحليل المعلومات وتقدير المخاطر والاستجابة للتهديدات.

ومن منظور التاريخ السياسي، ارتبطت مكانة الجيش العربي بدوره في حماية الدولة وصون أمنها، وبما راكمه من خبرة في التعامل مع التحديات الإقليمية. واليوم، تفرض التحولات التقنية ضرورة مواصلة تطوير القدرات البشرية والعملياتية، وتعزيز التدريب والتنسيق، بما يضمن مواكبة طبيعة التهديدات الحديثة دون الإخلال بالثوابت الدفاعية أو متطلبات الاستقرار. فالتفوق العسكري لا يتحقق بمجرد امتلاك التكنولوجيا، بل بالقدرة على توظيفها بكفاءة ضمن رؤية استراتيجية واضحة.

غير أن تطور وسائل القتال يثير تساؤلات جوهرية حول حدود استخدام التكنولوجيا في النزاعات المسلحة، ومدى انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني على العمليات السيبرانية. فالتغير في أدوات المواجهة لا يلغي القواعد التي تهدف إلى حماية الإنسان أثناء النزاعات، بل يجعل فهمها وتطبيقها أكثر أهمية، خصوصًا عندما يمكن أن تمتد آثار الهجمات الرقمية إلى مرافق مدنية حيوية.

وفي هذا السياق، يبرز مبدآ التمييز والتناسب بوصفهما من الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني. إذ يقتضي مبدأ التمييز التفريق بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، فيما يحظر مبدأ التناسب الهجمات التي يُتوقع أن تسبب أضرارًا عرضية للمدنيين أو للأعيان المدنية تكون مفرطة قياسًا بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة. وتزداد أهمية هذين المبدأين عندما تتصل العمليات السيبرانية بأنظمة تستخدمها جهات عسكرية ومدنية في آن واحد، أو عندما تهدد آثارها المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات.

ولا يعني ذلك أن كل عملية سيبرانية تخضع تلقائيًا لجميع أحكام القانون الدولي الإنساني؛ إذ يتوقف تحديد القواعد المنطبقة على سياق العملية وصلتها بنزاع مسلح وطبيعة آثارها. لكن هذه التعقيدات تؤكد ضرورة أن يواكب التطور التكنولوجي وعي قانوني ومؤسسي يراعي حماية المدنيين، ويعزز التقدير المسؤول للمخاطر، ويدعم الالتزام بالقواعد القانونية ذات الصلة.

ومن هنا، تبرز أهمية التعاون بين المؤسسات العسكرية والجهات الوطنية المختصة بالقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اللجنة الوطنية الأردنية للقانون الدولي الإنساني، في نشر المعرفة القانونية وتعزيز التدريب وتبادل الخبرات. فبناء القدرات الدفاعية الحديثة لا ينفصل عن تأهيل الكوادر القادرة على فهم الأبعاد القانونية والأخلاقية للتقنيات الجديدة، ولا عن تطوير الممارسات التي تساعد على الحد من المخاطر وحماية المرافق الحيوية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، تمنح علاقات الأردن الدولية ومشاركته في الجهود متعددة الأطراف فرصة للإسهام في النقاشات المتعلقة بالأمن الرقمي وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي. كما تمثل عضوية المملكة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة 2027–2029 مسارًا لتعزيز الحوار بشأن الحقوق والحريات، فيما يشكل تطوير القدرات الدفاعية مسارًا آخر يرتبط بحماية الأمن الوطني. ويلتقي المساران في أهمية احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون، مع الحفاظ على التمييز بين الالتزامات الحقوقية والسياسات العسكرية.

كذلك تؤكد الخبرة الأردنية في التعامل مع الأزمات الإقليمية والمشاركة في الجهود الإنسانية والإغاثية أن الأمن لا يقتصر على حماية الحدود والمنشآت، بل يشمل أيضًا حماية المدنيين ودعم الاستقرار والاستجابة للاحتياجات الإنسانية. وفي عصر الحروب الرقمية، تكتسب حماية الخدمات الأساسية والبنية التحتية المدنية أهمية إضافية، لما قد يترتب على تعطيلها من آثار مباشرة على حياة الناس وحقوقهم.

إن التحدي أمام الجيوش الحديثة لا يتمثل في امتلاك أدوات الردع الأكثر تقدمًا فحسب، بل في القدرة على توظيفها بكفاءة ومسؤولية، ضمن منظومة تجمع بين الجاهزية والتخطيط والتدريب والانضباط القانوني. فالتكنولوجيا تمنح القوات المسلحة وسائل جديدة للاستشعار والتحليل والاستجابة، لكنها تفرض في الوقت نفسه مسؤوليات أكبر في تقدير النتائج ومراعاة آثار العمليات على المدنيين.

وفي هذا الإطار، يظل تطوير الجيش العربي ضرورة تفرضها التحولات الأمنية والتكنولوجية، فيما يمثل القانون الدولي الإنساني إطارًا أساسيًا لضبط استخدام القوة وحماية الإنسان أثناء النزاعات المسلحة. وكلما تكاملت القدرات العسكرية الحديثة مع التدريب المتخصص والوعي القانوني، تعززت فرص مواجهة التهديدات بكفاءة، والحد من المخاطر، وصون الاستقرار.

إن قوة الدولة في عصر الحروب الرقمية لا تقاس بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرتها على الجمع بين الردع المسؤول واحترام القانون. فالقوة التي تحمي الوطن تزداد رسوخًا عندما تقترن بحسن التقدير والانضباط، وتظل حماية الإنسان والالتزام بالقواعد القانونية من المعايير الأساسية التي تقاس بها مسؤولية القوة في عالم تتداخل فيه ساحات المواجهة وتتسع فيه تحديات الأمن والسلام.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية