النقرش يكتب: "من نيويورك إلى عمّان.. بوصلة الملك نحو الأردن».
د . ابراهيم النقرش
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد تكرار للمواقف الأردنية المعروفة، بل حمل رسائل مهمة تستحق أن نتوقف عندها، ليس فقط من زاوية السياسة الخارجية، وإنما من زاوية ما تعنيه للأردن في الداخل وكيف ينبغي أن نستعد للمرحلة المقبلة
.ويُحسب لجلالة الملك وضوح رؤيته وحرصه على حماية الأردن ومصالحه الوطنية. كما يُقدّر له ثبات موقفه تجاه فلسطين والقدس، وتمسكه بالسلام دون التفريط بحقوق الأردن.
أبرز ما في الخطاب أنه أعاد توجيه البوصلة نحو القضية الفلسطينية، والقدس وغزة والضفة الغربية، ووضعها في قلب المشهد الإقليمي، مع الإشارة إلى السياسات الإسرائيلية وتداعياتها على المنطقة، وما يجري في جنوب سوريا وما يمكن أن ينعكس على أمن الأردن وحدوده ومياهه.
وهذه رسالة مهمة لنا في الداخل: فلسطين والقدس ليستا قضية بعيدة عن الأردن، بل ترتبطان بصورة مباشرة بأمنه الوطني ومصالحه ومستقبله. وهذا لا يعني تجاهل بقية التحديات في المنطقة، وإنما يعني أن قراءة المخاطر يجب أن تكون شاملة، وأن ترتيب الأولويات ينبغي أن يقوم على المصالح الوطنية والوقائع، لا على الانطباعات أو الخطاب الإعلامي المتوتر.
ومن هنا، فإن المطلوب أردنيًا ليس الدخول في جدل حول من هو العدو ومن هو الصديق( فالعدو معروف)، بقدر ما هو إعادة قراءة المشهد بهدوء، ومعرفة مصادر الخطر الحقيقية والمحتملة، وعدم اختزال المنطقة في خطر واحد وإهمال أخطار أخرى قد تكون أكثر تأثيرًا في أمن الأردن ومصالحه.
والأهم أن يبقى خطاب الملك خارج إطار المناسبات الدولية فقط، وأن يتحول إلى مراجعة وطنية داخلية للاستعداد والجاهزية. فإذا كانت المنطقة معرضة لأزمات متلاحقة، فإن الاستعداد لا يكون عسكريًا وأمنيًا فقط.
فالأمن الوطني اليوم لم يعد أمن الحدود وحدها، بل أصبح أيضًا أمن الغذاء والماء والطاقة والاقتصاد والمعلومات واستمرار سلاسل الإمداد وتماسك المجتمع. والدولة القوية ليست التي تنتظر الأزمة حتى تقع، وإنما التي تستعد لها وهي في وقت الاستقرار.
وهنا يبرز دور الإعلام الوطني. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل شريك في تشكيل الوعي العام. والمطلوب منه أن يساعد المواطن على التمييز بين الخطر الحقيقي والخطر المحتمل، وبين الخلاف السياسي والحرب الإعلامية، وأن يناقش القضايا الوطنية بعيدًا عن المبالغة والاستقطاب.
كما أن الحديث عن إسرائيل لا يعني تجاهل التحديات التي قد تأتي من إيران أو غيرها، فلكل دولة مصالحها وسياساتها ومواقفها التي ينبغي أن تُقرأ بموضوعية. لكن تحديد الأولويات يجب أن يقوم على المصالح الأردنية والتهديدات الفعلية، لا على التلقين أو المبالغة أو بناء المواقف على معلومات ناقصة.
وفي الوقت نفسه، فإن تمسك الأردن بالسلام والدبلوماسية لا يعني التخلي عن الاستعداد. فالسلام لا يتعارض مع القوة، والدبلوماسية لا تعني ضعف الدولة، والانفتاح على الآخرين لا يعني تجاهل المخاطر.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد خطاب الملك ليس فقط: ماذا قال الأردن في نيويورك؟ بل: ماذا سنفعل نحن في الداخل؟
هل نعرف نقاط قوتنا وضعفنا؟ وهل اقتصادنا قادر على تحمل أزمة إقليمية طويلة؟ وهل لدينا ما يكفي من الغذاء والماء والطاقة؟ وهل سلاسل التوريد لدينا قادرة على الاستمرار؟ وهل مؤسساتنا مستعدة لمختلف السيناريوهات؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى مراجعة هادئة وجادة، بعيدًا عن التخويف أو التهوين.
فالأردن لا يستطيع أن يغير موقعه الجغرافي، ولا أن يقرر وحده ما يحدث حوله، لكنه يستطيع أن يرفع مستوى جاهزيته، ويقوي اقتصاده، ويحمي أمنه، ويحافظ على تماسك مجتمعه، ويوضح بوصلته.
إن إعادة توجيه البوصلة لا تعني الدعوة إلى التصعيد أو العداء، وإنما تعني أن نرى المنطقة كما هي، وأن نضع فلسطين والقدس وأمن الأردن في مكانها الصحيح، وأن نبني في الداخل دولة أكثر قوة واستعدادًا وقدرة على مواجهة كل الاحتمالات.







