النقرش يكتب : "إقتصاد المنح قيد والقروض الميسرة أغلال: ... فمن يملك قرار الدوله؟؟؟"
د ابراهيم النقرش
ليست المشكلة أن تتلقى الدولة مساعدات من الخارج، فالمساعدات قد تكون ضرورة في أوقات الأزمات، وقد تسهم في بناء الاقتصاد إذا أُحسن استخدامها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المنح والقروض من وسيلة مؤقتة للنهوض إلى أسلوب دائم لإدارة الدولة، وعندما يصبح الاقتراض بديلاً عن الإنتاج، والمساعدات بديلاً عن الإصلاح، والاعتماد على الآخرين بديلاً عن الاعتماد على الذات.
هناك دول تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع، وتستهلك أكثر مما تنتج، ثم تسد عجزها بالمنح والقروض. ومع مرور الزمن، تضعف قدرتها الإنتاجية، وتتراجع صناعتها وزراعتها، وتزداد حاجتها إلى الخارج، حتى تصبح المساعدات جزءاً أساسياً من بقائها الاقتصادي.
الاقتصاد القوي لا يُقاس بحجم الأموال التي تدخل خزائنه، بل بما ينتجه، وما يوفره من فرص عمل، وما يصدره إلى الأسواق، وقدرته على تمويل احتياجاته من موارده الذاتية.
أما الدولة التي تقترض لتغطية نفقاتها المتكررة، أو لسداد ديون سابقة، من دون أن تبني مشروعات إنتاجية تدر دخلاً جديداً، فإنها تدخل في دائرة مغلقة: عجز يتبعه اقتراض، واقتراض تتبعه فوائد، وفوائد تستنزف الإيرادات، ثم اقتراض جديد لسد الفجوة.
وهكذا يتحول جزء متزايد من أموال الدولة إلى سداد الديون بدلاً من الاستثمار في التعليم والصحة والزراعة والصناعة والبنية التحتية. وقد تبدو الحياة مستقرة لبعض الوقت، لكن الاقتصاد من الداخل يفقد قدرته على النمو، وتصبح الأجيال القادمة مطالبة بسداد أثمان قرارات لم تشارك في صنعها.
لقد تغيرت أدوات النفوذ في العالم. فلم يعد الاحتلال العسكري الوسيلة الوحيدة للتأثير في الدول، إذ يمكن للديون والاعتماد المالي وشروط التمويل أن تضيق مساحة القرار السياسي والاقتصادي.
ولا يعني ذلك أن كل مساعدة استعمار، أو أن كل قرض ينتقص من السيادة. لكن الدولة التي لا تستطيع إدارة شؤونها من دون أموال الخارج قد تجد نفسها مضطرة إلى مراعاة شروط الممولين وأولوياتهم، حتى عندما تتعارض بعض هذه الشروط مع خياراتها الوطنية.
وهنا تصبح المشكلة أعمق من المال؛ إذ قد تتراجع حرية الدولة في اختيار سياساتها، ويصبح قرارها محكوماً بالخوف من توقف المساعدات أو تعثر القروض.
فالسيادة ليست علماً يرفرف فوق المؤسسات فقط، بل قدرة حقيقية على اتخاذ القرار، وهذه القدرة تحتاج إلى اقتصاد قوي، وإنتاج وطني، وإيرادات مستقرة، ومؤسسات مسؤولة أمام شعبها..
ومع تراجع الدخول وارتفاع الضرائب والأسعار، يشعر المواطن أن الأعباء تتزايد من دون أن يرى تحسناً يناسب ما يتحمله من تضحيات. وتتراجع الثقة بالمؤسسات، ويتسع الشعور بالظلم، وقد يتحول الضيق الاقتصادي إلى احتقان اجتماعي وسياسي.
أما سياسياً، فقد تلجأ بعض الحكومات إلى تأجيل الإصلاح خوفاً من كلفته، وتفضل الحصول على تمويل جديد يعالج أزمة اليوم، بدلاً من اتخاذ قرارات تعالج أسبابها. وهكذا يصبح الحفاظ على الوضع القائم أهم من بناء اقتصاد قادر على الاستمرار.
وقد شهدت دول كثيره أزمات ديون حاده أدت الى سنوات من التقشف والضغوط الاجتماعيه منها اليونان وسريلانكا وفرنسا وفي الطريق الولايات المتحدة وأروبا ....
فماذا لو تغيرت أولويات الدول المانحة، أو تراجعت مساعداتها، أو انشغلت بأزماتها الداخلية؟ ماذا ستفعل الدولة التي بنت نفقاتها والتزاماتها على افتراض استمرار الدعم إلى أجل غير محدد؟
إن المطلوب ليس رفض المساعدات أو إغلاق أبواب التعاون مع الخارج، بل استخدامها لبناء اقتصاد منتج. ..
كما يتطلب شفافية واضحة في الاقتراض: لماذا نقترض؟ وأين تُنفق الأموال؟ وما العائد الاقتصادي منها؟ وهل ستخلق فرص عمل وتزيد قدرة الدولة على السداد، أم ستضيف أعباء جديدة إلى أعباء قديمة؟.
فالدولة التي لا تنتج ما يكفيها، ولا توفر العمل لشبابها، ولا تستطيع تمويل احتياجاتها إلا بالاقتراض المستمر، تظل معرضة لتقلبات قرارات الآخرين ومصالحهم.
وعندما تجتمع البطالة والفقر وارتفاع كلفة المعيشة مع غياب الأمل وتراجع الثقة، يصبح الاستقرار أكثر هشاشة، وقد تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
لذلك، على الدول أن تستيقظ قبل فوات الأوان، وأن تدرك أن المساعدات قد تسد عجزاً، لكنها لا تصنع نهضة وحدها، وأن القروض قد تمنحها وقتاً، لكنها لا تشتري مستقبلاً.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل حكومة ليس: من سيمنحنا القرض القادم؟ بل: كيف نبني اقتصاداً لا يظل مستقبل شعبه رهناً باستمرار القروض والمنح؟
فالأوطان لا تفقد استقلالها بالاحتلال وحده، بل قد تفقد جزءاً من قدرتها على تقرير مصيرها عندما تصبح حاجتها إلى المال أكبر من قدرتها على الإنتاج، وعندما تتحول الديون من وسيلة للنهوض إلى قيد على المستقبل.







