أبو طير يكتب: تطويق الأردن عبر جنوب سورية
ماهر أبو طير
تريد إسرائيل تطويق الأردن من كل الجهات، من الضفة الغربية، وصولا إلى جنوب سورية، وربما في مرحلة ما عبر الحدود العراقية الأردنية، بهدف خنق الأردن وإضعافه.
جبهة جنوب سورية تبدو بلا ضجيج في العلاقات الجيوسياسية، وهذا انطباع مزيف، وقد أصبحت مهددة إسرائيليا بشكل مباشر، لأن إسرائيل تريد السيطرة على كل جنوب سورية، وصناعة عازل جغرافي ممتد على طول الحدود الأردنية السورية، قد يمتد لاحقا إلى مناطق مجاورة للعراق، وهذا يعني فقدان الأردن للتواصل الجغرافي مع سورية، بما يعنيه ذلك من فصل بلدين عربيين، وما تعنيه التأثيرات الاجتماعية والسياسية والأمنية، وهذا أخطر جانب يتحسب له الأردن، إضافة إلى الكلفة الاقتصادية ونسف كل التوجهات لمشاريع كبرى بين البلدين، وكأن سورية ستخرج من خارطة بلاد الشام بهذه الطريقة، وتنتقل لمركز آخر.
تلك قراءة إستراتيجية، لكن هناك مؤشرات يومية أيضا مثيرة للقلق بما يجعل الأردن يصنف السلوك الإسرائيلي في جنوب سورية معاديا له بشدة، وليس أدل على ذلك من السطو على الأحواض المائية في الجنوب السوري، التي تزود الأردن بالمياه، حيث سياسة التجفيف الإسرائيلية عبر سورية تلتقي مع موانع تزويد الأردن بالمياه من فلسطين، بما يعني أن الهدف الإستراتيجي تعطيش الأردن والتسبب بأضرار لزراعته في سياق الضغط عليه وإضعافه.
ومع هذا يأتي السعي لتوليد دويلات انفصالية على الحدود مع الأردن، قابلة للنسخ في مناطق سورية مختلفة، وهي كينونات إسرائيلية بهويات بديلة، ويرى الأردن في نموذج السويداء خطرا شديدا عليه، لاعتبارات مختلفة، ويعده خطيرا على الداخل السوري حيث قد يؤدي إلى اقتتال داخلي وحرب أهلية رفضا للانفصال، تؤدي إلى موجات هجرة جديدة من سورية إلى الأردن، كما أن نجاح الانفصال سيؤدي إلى مشاريع انفصالية لدى مكونات سورية أخرى.
في معلومات الأردن أيضا أن وسطاء من جانب إسرائيل أصبحوا على صلة بشبكات مخدرات في جنوب سورية، ويتم توظيفهم لإرهاق الأردن أمنيا من خلال حملات تهريب المخدرات. وللمفارقة، فقد استبدل بعض تجار المخدرات في الجنوب حاضنات التهريب التي كانت ترعاهم في ظل النظام السابق، بحاضنات إسرائيلية جديدة، تحت عنوان جمع المال لصناعة جماعات مسلحة، وتمويل مشاريع انفصالية في جنوب سورية، وهذا يعني أن مستهدفات التهريب النهائية أصبحت أمنية وعسكرية وسياسية انفصالية وليست مجرد بضاعة يتم نقلها للأردن.
القراءة الإستراتيجية في الأردن للدور الإسرائيلي في جنوب سورية لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى صناعة ارتدادات أمنية سورية مع العراق بسبب الفوضى تنعكس على غرب العراق وتمتد إلى الأردن، وهذا يعني إستراتيجيا احتمال تطويق الأردن من حدوده الشرقية، بما يعنيه ذلك من كلف أمنية وسياسية واجتماعية، خصوصا، في ظل المواجهة المذهبية في المنطقة.
بسبب مشاريع إسرائيل والارتداد الإقليمي تشتد كلفة هذه المشاريع، حتى وصل ارتدادها إلى مضيق هرمز وباب المندب، والكل يعرف أن هناك تأثيرات على دول مختلفة من بينها الأردن ومصر، وهذا يعني في القراءات الإجمالية أن التطويق يأتي من كل الجهات، أمنيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا بسبب مناخات الفوضى، والمواجهات غير المحسومة وتلك المؤجلة.
لا يبدو الملف الجيوسياسي للأردن مريحا أبدا، لأن الأخطار تتدرج وتتزايد، والقراءات المستقبلية تشير إلى احتمالات أسوأ، بما يعني أن تحسس الأردن الهائل من جنوب سورية لا يأتي مبالغة، بل إدراكا للمتواليات المحتملة التي ستأتي بفعل هذه الجبهة في كل الإقليم.
تطويق الأردن عبر جنوب سورية يعني للأردن محاولة لإرهاقه تمهيدا لمخطط عبر جبهتي الضفة الغربية والعراق، وليس مجرد شغب مؤقت وعابر للحدود الشمالية للأردن.







