اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطاطبة يكتب: لم تعد "إسرائيل" بعيدة عن خاصرة الأردن

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


في العادة حين يتحدث جلالة الملك عبدالله الثاني عن «إسرائيل» أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يعرف العالم تقريبا اتجاه الكلمات: الضفة الغربية المحتلة، قطاع غزة، القدس والمقدسات، حل الدولتين، ثم التحذير من تداعيات استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان.
 

خطاب جلالة الملك، يوم الثلاثاء الماضي، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية لم يكن مختلفا حيال هذه الملفات، لكنه حمل شيئا آخر يستحق التوقف عنده. هذه المرة تحدث عن «إسرائيل» باعتبارها عاملا يمكن أن يمس الأمن الأردني مباشرة، وهذا يتقاطع مع شكوك أردنية متزايدة في أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها ما تزال ترى استقرار الأردن مصلحة أساسية.
الملك قال إن شهية الحكومة الإسرائيلية التوسعية أصبحت تهديدا إقليميا، ثم وضع سورية في المنتصف، وبعد ذلك جاءت العبارة الأكثر أهمية بالنسبة للأردن: أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي، هو تهديد للأمن الوطني للمملكة، وأن الأردن لن ينظر بعيدا.
يمكن المرور على هذه العبارات باعتبارها جزءا من التصعيد السياسي المعتاد في العلاقة الأردنية الإسرائيلية، لكن ذلك يفوّت جانبا مهما من الرسالة؛ فالحديث هذه المرة لم يكن عن القدس ولا عن الضفة الغربية المحتلة، بل عن سورية والحدود والمياه، أي عن ملفات تقع من وجهة نظر عمان داخل الخاصرة الرخوة للمملكة؛ وهنا تبدأ المسألة الأكثر أهمية.
معروف أن الأردن لا ينظر إلى جنوب سورية من بعيد، والحدود ليست ممتدة فحسب، وإنما تحمل معها تاريخا اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا متشابكا، فما يحدث في درعا والسويداء والمناطق المحاذية لا يبقى بالضرورة داخل سورية؛ ففي سنوات الحرب تعاملت عمان مع موجات لجوء ضخمة وخطر جماعات مسلحة وعمليات تهريب مخدرات وسلاح، وظل هدفها الأساسي منع انتقال الفوضى شمالا إلى أراضيها.
أما اليوم، فالمشهد تبدل هناك حكومة سورية جديدة تحاول تثبيت قواعدها، وهناك حسابات إسرائيلية مختلفة في الجنوب، وهناك أيضا حضور تركي، وصراعات إقليمية، لم تعد بعيدة عن الحدود الأردنية. بمعنى أن اعتراض عمان على سياسة الاحتلال في الضفة الغربية شيء، وأن تقول إن ما تفعله «تل أبيب» في جنوب سورية يمكن أن يهدد حدود الأردن شيء آخر. في الحالة الثانية تدخل المسألة في حسابات دولة ترتبط بـ»إسرائيل» بمعاهدة سلام منذ العام 1994 (معاهدة وادي عربة).
في سورية، ووفق قراءات إسرائيلية منشورة، تل أبيب تريد جنوبا سوريا منزوعا، ولديها حسابات خاصة تجاه الفصائل والمكونات هناك بما فيها التطورات في السويداء؛ والأردن يريد قبل كل شيء ألا تتحول المنطقة إلى فراغ أمني جديد، وألا تعود الحدود الشمالية إلى نقطة ضغط.
إذن، الخلاف لم يعد محصورا في سؤال الحل النهائي، وإن بقي هذا السؤال هو الأثقل سياسيا، فقد بدأت تظهر إلى جانبه مجموعة من الملفات التي تمس الأمن الأردني بصورة مباشرة، مثل: جنوب سورية، المياه، الحدود، وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في الضفة الغربية على وقع خطط التمزيق والابتلاع.
ملف المياه أيضا لا يقل أهمية عن سورية، فعندما انتهى الاتفاق الإضافي الذي كان يوفر للأردن 50 مليون متر مكعب سنويا فوق الكمية المنصوص عليها في معاهدة وادي عربة، جاء القرار الإسرائيلي بعدم التجديد. طبعا القرار أثار انتقادات داخل دولة الاحتلال نفسها، وحذر محللون من أن استخدام ملف المياه في العلاقة مع عمان يمكن أن يفاقم التوتر معها.
لذا، من الصعب تجاهل اختيار الملك في خطابه هذه المرة أن يضع المياه بجوار الحدود الشمالية في جملة واحدة، وهذا التفصيل يستحق أكثر من قراءة. فالأردن، وفق تأكيدات مسؤوليه، من أكثر الدول فقرا بالمياه؛ وحين تدخل في خطاب عن الأمن القومي، فإنها تصبح جزءا من العلاقة الإستراتيجية نفسها؛ وهنا قد يكون المأزق الحقيقي بين عمان و»تل أبيب» في السنوات المقبلة.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات في خطاب الملك على أن الأردن يريد طي المعاهدة أو الذهاب إلى مواجهة، بل كان واضحا بالتأكيد على التزام الأردن بالسلام، واستعداده للعمل مع كل من يسعى إليه. لكن هذا لا يعني أن عمان ستقبل بأن تبقى العلاقة محكومة بالصيغة القديمة التي كانت تسمح إلى حد ما بفصل الملفات المختلفة: حول الأرض المحتلة، التعاون الأمني، اتفاقات غاز ومياه، حدود هادئة نسبيا.
ربما أصبح من الصعب على عمان أن تتعامل مع هذه الملفات كل واحد منها بمعزل عن الآخر، أي أنه إذا تغيرت خريطة النفوذ في جنوب سورية، فذلك يمس الأردن، وإذا تدهورت الأوضاع في الضفة الغربية بصورة كبيرة، فذلك يمس الأردن، وإذا أصبح ملف المياه أداة ضغط سياسي، فذلك يمس الأردن. ومن هنا يمكن فهم لهجة الخطاب من دون افتراض أن الأردن اتخذ قرارا بالتصعيد.
الرسالة أبسط، وربما أخطر، هناك حدود جديدة لما تستطيع عمان أن تعتبره شأنا إسرائيليا داخليا أو خلافا سياسيا بعيدا عنها؛ والمتابع للخطاب الأردني خلال الفترة الأخيرة يلاحظ أن سورية أصبحت حاضرة بصورة متزايدة في النقاش حول مستقبل الحدود الشمالية وترتيبات الأمن في المنطقة.
طبعا، في المقابل تراقب دولة الاحتلال الإسرائيلي، الأردن أيضا من زاوية مختلفة. دولة مستقرة وضرورية، لكنها تقع في منطقة تتغير بسرعة، وعلى حدود يمكن أن تتأثر بأي تحول في سورية أو العراق أو الضفة الغربية؛ لهذا تبدو العلاقة اليوم محكومة بمفارقة يصعب تجاوزها.
السؤال الحقيقي إذن، ماذا سيحدث بعد خطاب الملك. هل يعود ملف المياه إلى طاولة التفاهم بعيدا عن لغة الشروط والضغط السياسي؟، وهل تستطيع عمان و»تل أبيب» إيجاد مساحة تنسيق حول جنوب سورية في وقت تختلف فيه رؤيتهما لما ينبغي أن يحدث هناك؟ وهل ستبقى التحولات في الضفة الغربية، مهما بلغت حدتها، ضمن نطاق الخلاف السياسي، أم ستبدأ عمان في التعامل معها باعتبارها قضية استقرار مباشر؟
هذه الأسئلة أهم من أي سجال حول خطاب الجمعية العامة؛ فالمعاهدة التي وقعت قبل أكثر من ثلاثة عقود ما تزال قائمة، والتنسيق لم يتوقف، والمصالح المشتركة لم تختف، لكن البيئة التي قامت فيها تلك العلاقة لم تعد كما كانت، والملك في خطابه لم يقل إن السلام انتهى، بل قال شيئا مختلفا: إن للأردن حساباته الأمنية الخاصة، وإن ما يحدث حوله لن يبقى بالضرورة خارج هذه الحسابات. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تقرأ منها إسرائيل الخطاب، كما ينبغي أن تقرأه عمان نفسها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية