اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: أسيل عزازمة.. فهم العالم من خلال الكتابة

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


قبل ثلاثة أعوام، وفي ساعة ظهيرة قائظة بمدينة الزرقاء، اقتربت مني امرأة، وطلبت أن اطلع على بعض مما كتبته ابنتها. كنت وقتها أقدم ورشة عمل عن الكتابة الإبداعية في فرع مكتبة عبد الحميد شومان في المدينة. 
 

قرأت كتابة أكثر من جيدة بجمل أنيقة، وصور تعلي من الهامش، وتخفف الإضاءة عن المتن الذي غالبا ما يعيره الكتاب اهتمامهم الأول. طلبت من والدتها أن تحضر ابنتها ما تبقّى من الورشة.
هكذا التقيت بأسيل؛ الفتاة الطموحة في بداية العشرينيات، والمشاكسة بأسئلتها واستفساراتها، والتي تصرّ دائما على أن أقرأ كل ما تكتبه من تطبيقات عملية على محاور الورشة، وأن أعلّق عليها. كانت روحا تواقة وشغفا متدفقا يرافق موهبة حقيقية.
لم تكتفِ أسيل بتلك الورشة، بل انضمّت لورشة ثانية قدمتها الدكتورة شهلا العجيلي، ثم ورشة ثالثة معي، ظلت فيها متدربة مشاكسة ومتلهفة للمزيد. بالنسبة إليّ، لم تكن مجرد موهبة شابة التقيتها في ورشة، فالإصرار الذي تبديه، والنظرة المرتسمة في عينيها كلّما عرضت علي جزءا من كتابتها، تقول أشياء كثيرة عمّا يمكن أن تفعله لاحقا.
نعلم أنّ الكتابة لا تبدأ من امتلاك اللغة وحدها، أو القدرة على تركيب الجمل الجميلة، وإنّما من القلق الداخلي الذي يجعل الإنسان غير قادر على المرور بالأشياء كما يختبرها الآخرون. يمكن لأيّ شخص تعلم تقنيات السرد، ومعرفة بناء شخصية وصناعة المشهد، لكن أحدا لا يستطيع أن يمنح الكاتب تلك العين التي ترى العالم بحساسية مختلفة. حين أقرأ ما تكتبه أسيل، أجد هذه الحساسية حاضرة في نصوصها. 
لهذا كنت قاسيا في تقييم كتابتها، وأجبرها أحيانا على التخلي عن بعضها، وأخبرها أن الجملة الجميلة قد تكون عدوة النص حين يقع الكاتب في حبّها أكثر مما ينبغي، لذلك على الكاتب أن يتعلم كيف يتخلى عن أجمل جمله إذا شعر بأنها تقف في طريق الحكاية. وكانت تسمع، ثم تعود بنص جديد، لتمارس عادة طرح الأسئلة الكثيرة.
أسئلتها لم تكن من النوع الذي يبحث صاحبه عن المديح. كانت تريد معرفة كيف يمكن أن تكون أفضل. رأيت فيها شيئا أعرفه جيدا عند الذين يأخذون الكتابة على محمل الجد؛ إنه عدم الرضا. ذلك الشعور المزعج بأن النص الذي كتبناه يمكن أن يكون أفضل، وأن المسافة بين ما تخيلناه وما استطعنا وضعه على الورق ما تزال واسعة.
الموهبة في بداياتها هشّة جدا، وتحتاج إلى النقد، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى من يراها، وإلى أحد يقول لصاحبها: ثمة شيء هنا، واصلْ العمل عليه، ولا تتعجلْ.
راقبتها تتعلم، فشعرت أنني أمام واحدة من الحالات التي تمنح المدرب نفسه معنى لما يفعله. نحن حين نقدم ورشة في الكتابة لا نصنع كتّابا. أقصى ما نستطيع فعله أن نضع بعض العلامات على الطريق، أمّا الرحلة نفسها، فعلى الكاتب أن يخوضها وحيدا.
وها هي أسيل تخوض الرحلة، فقد هاتفتني قبل يومين لتخبرني بأنها أصدرت روايتها الأولى. لقد بدأت رحلتها، وأظن أن أكثر ما يستحق أن تتمسك به هو فضولها وإلحاحها وأسئلتها الكثيرة، وقلقها حين تشعر بأنّ نصا كتبته لم يصل بعد إلى المكان الذي أرادته.
وفي مستهل هذه الرحلة أتمنّى أن تظل مسكونة بدهشة البداية، وأن لا تتنازل عن الجرأة لصالح المهارة. أتمنى أن تتعلم كل ما تستطيع، ثم تنسى بعضا مما تعلمته حين تجلس للكتابة. أتمنى أن تقرأ كثيرا، لكن ألا تسمح لأصوات الآخرين أن تطغى على صوتها، وألا تجعل رضا الآخرين شرطا لرضاها عن نفسها. أريدها أن تذهب إلى الحياة والناس والشوارع والأصوات والروائح والذكريات، لأن الأدب يولد من القدرة على أن نعيش الحياة بكل عنفها وعاديتها. أتمنى ألا تفقد حساسيتها تجاه الهامش، فهي تعرف، بفطرة الكاتب، أن الأشياء المهمة قد لا تقف دائما في منتصف الصورة، فأحيانا تنزوي في الركن البعيد.
لا أعرف إلى أين ستأخذها الكتابة، لكنني أتذكرها فتاة كانت تريد أن تتعلّم بشدة. هذه صورة أحب أن أحتفظ بها، لأننا، وسط كل الحديث عن الأدب والكتب والجوائز، ننسى أحيانا أن الكتابة تبدأ من شخص يجلس أمام صفحة بيضاء، ويحاول بصدق ولهفة أن يقول شيئا عن نفسه وعن العالم.
في ظهيرة قائظة، قبل ثلاثة أعوام، دخلت أسيل عزازمة إلى ورشة للكتابة في مكتبة عبد الحميد شومان في الزرقاء. كانت تظن يومها أنها جاءت لتتعلم كيف تكتب. لكنني أعتقد أنها كانت بدأت الكتابة قبل ذلك بكثير. كل ما كان ينقصها أن يخبرها أحدٌ أن عليها مواصلةَ الطريق.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية