الرواشدة يكتب: ماذا بعد خطاب الملك؟
حسين الرواشدة
ماذا بعد خطاب الملك؟ السؤال ينصرف ،بالطبع، إلى الخطاب الذي ألقاه الملك في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (22 /9) ، ينصرف ، أيضاً، إلى الصدى والأثر الكبير الذي تركه على الرأي العام ، محلياً وإقليمياً ودولياً، ينصرف ، ثالثاً، إلى أنه شكل نقطة تحول في الخطاب السياسي تجاه إسرائيل ، سواء من حيث الحدّة أو التحذير أو المواجهة ، ينصرف ،رابعاً، إلى التوقيت حيث اقتراب موعد الانتخابات في إسرائيل ، وقبل ساعات من لقاء عربي إسلامي مع ترامب، ينصرف ، أخيراً، إلى تقدير موقف أردني ، بناء على معلومات أو تقييمات، لمرحلة ما بعد الحرب على إيران ، أقصد ما يترتب على المنطقة ، والأردن تحديداً، من تداعيات في إطار محاولات تصفية القضية الفلسطينية.
لكي نفهم أكثر نحتاج أن نفكر بهدوء ونتصرف بعقلانية، الملك حدد اتجاه البوصلة الأردنية بشكل لا يقبل اللُّبس، المصالح العليا للدولة الأردنية خط أحمر ، والحكومة الإسرائيلية تشكل تهديدا للأمن الوطني الأردني ، الأردن لن يشيح بنظره عن هذا التهديد ، سيحمي أمنه ومياهه وحدوده، لا يفكر الأردن بالذهاب إلى الحرب لكنه مستعد لها إذا تعرضت مصالحه العليا لأي تهديد ، عنوان المرافعة الملكية يقع هنا : الأردن أولاً، أي تهديد إسرائيلي سواء تعلق بما يحدث في الضفة الغربية أو الجنوب السوري سيواجهه الأردن بكل قوة وحزم.
يمكن، هنا، استدعاء سؤالين أساسيين : بماذا تفكر تل أبيب اتجاه الأردن في المرحلة القادمة ، ثم بماذا يفكر الأردن لمواجهة هذا الخطر ؟ الإجابة على السؤال الأول تحتاج إلى مطبخ سياسي يفكر ويقرر ، استراتيجياً، على ضوء ما طرأ على العلاقة مع إسرائيل من تحولات ؛ واضح تماماً مما هو مكشوف أو ما زال طيّ الكتمان أن تل أبيب لا تضمر للأردن إلا مزيداً من سوء النوايا ، أغلبية الردود الإسرائيلية على خطاب الملك كانت سلبية جداً ، عدم رد نتنياهو في خطابه الأخير على الأردن مفهوم في سياق واحد وهو التهديد بالرد في الوقت المناسب ، العداء التاريخي بين نتنياهو والأردن يؤكد ذلك ، واضح ، أيضاً، النقاشات التي دارت في إسرائيل كردود على خطاب الملك فتحت اكثر من عنوان ؛ الخيار الأردني لإدارة الضفة الغربية ، قرار فك الارتباط ، الوصاية الهاشمية على القدس والمقدسات ، لكن الأهم في تقديري هو محاولة العبث بالداخل الأردني ، سواء من جهة الديمغرافيا أو الوضع الاقتصادي أو العلاقة بين الدولة والمجتمع.
أما الإجابة على السؤال الثاني فتحتاج إلى نقاش وطني عميق عنوانه "إعادة ترتيب البيت الداخلي الأردني"، بعض المراجعات بدأت واتوقع أنها سوف تستمر خلال الأيام القادمة ، الاستعداد والتحوط لمواجهة مرحلة الفوضى القادمة في المنطقة تستدعي تقييم "حالة البلاد" من كافة المجالات، ومعالجة ما حدث من أخطاء أو ما تعانيه من نقاط ضعف ، وصولا إلى توفير كل ما يلزم من عناصر القوة والمنعة ، سواء على صعيد إدارات الدولة وأدواتها ، أو إدارات المجتمع وأدواته، كما تستدعي إعادة تأكيد وترسيم العلاقة الأردنية الفلسطينية على أساس قرار فك الارتباط القانوني والإداري لردع إسرائيل عن تمرير أجنداتها التي تصب في عنوان تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن.
ما فعله الملك قبل الخطاب ، سواء عبر اختراق جبهات مراكز القوة العالمية ، سياسياً واقتصادياً، وتنويع الخيارات والتحالفات ، أو عبر إبرام الاتفاقيات الدفاعية وتحصين المناعة الوطنية يشكل عنصرا أساسياً ومهماً من الإجابة على السؤالين، لكن تبقى مهمة إدارات الدولة وقوى المجتمع في التقاط "لحظة الخطاب " من أجل إنتاج واقع قائم على معادلة أردنية تستند إلى معرفة الذات والعدو ، أقصد ما نريده وما يُراد لنا، ما نفكر به في سياق الدفاع عن مصالحنا الوطنية( نقطة ) ، وما تفكر به إسرائيل لتهديد أمننا الوطني، حركة السياسة هنا ضرورية ، والبحث في العمق العربي والإقليمي والدولي عن تحالفات أو تعاون مشترك مسألة مهمة، المقاربة بين خياراتنا وإمكانياتنا وضروراتنا في موازين الواقعية ،وبعيدا عن الرغبات والإنفعالات السريعة ، هي أفضل وصفة لمواجهة مرحلة الفوضى التي تريد تل أبيب أن تغرق المنطقة التي نحن جزء منها فيها، الأردن يعرف ذلك ويتصرف على اساسه .







