أبو زينة يكتب: الفلسطينيون وسلطة "التأشيرة"..!
علاء الدين أبو زينة
لست من المعجبين شخصيًا بما يقوله الرئيس الفلسطيني باسم الفلسطينيين -ويغلب أنه لن يقول شيئًا يعجب أغلبية الفلسطينيين في حديثه إلى «الجمعية العامة للأمم المتحدة» هذه المرة أيضًا. لكنّ ذلك يبقى بالنسبة للفلسطينيين الكثيرين غير الراضين «شأنًا داخليًاً» فلسطينيًا - إذا جاز تجاهل بصمة الخارج في شخصية وسلوك «السلطة الفلسطينية»- ولا هو يلغي الحقيقة الموضوعية: أن محمود عباس هو رئيس دولة فلسطين التي تعترف بها معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وهو رئيس «منظمة التحرير الفلسطينية، المعترف بأنها «الممثل الشرعي والوحيد» للشعب الفلسطيني. وبذلك يعني حضورُه في «الجمعية العامة» حضور فلسطين، وغيابُه تغييبًا مبيَّتًا وسيئ النية لفلسطين وأهلها.
رفضت الولايات المتحدة منح عباس تأشيرة الدخول إلى أراضيها لأنها تعتبر «الأمم المتحدة» بكل مَن فيها إقطاعية أميركية، والنادي الذي تمتلكه مُلكية خاصة وتحتكر الحق في إدخال من تريد إليه وحرمان مَن تريد. وأداء فلسطين لا يعجب السيد في واشنطن: ثمة «إخفاق السلطة في الإصلاح» -الذي لا يعرف سوى الله ماهيته. ثم إن «السلطة» تقوم بـ»تدويل» القضية بالشكوى لدى المحاكم والهيئات الدولية -وبذلك تعبر عن عدم ثقة بـ»الوسيط الأميركي النزيه» الكفيل وحده بتحديد ما هو الأفضل للفلسطينيين. وهناك أيضًا شيء فظيع تمارسه «السلطة»: تمجيد الإرهاب!
بدلًا من ارتكاب هذه الفظائع، تريد واشنطن من «السلطة» الالتزام بإبقاء القضية محصورة داخل «المفاوضات المباشرة» -التي لا يعلم حتى إبليس أين هي؛ وإجراء «الإصلاح» الأصلي والنهائي: تغيير الخطاب والمناهج المدرسية، وتعليم الأولاد أنه ليس هناك شيء اسمه الشعب الفلسطيني، وأن الله الذي يُقدّر الأقدار هو الذي منح هذه الأرض لشعبه المختار! وأن العيش «جنبًا إلى جنب» أو «في كنف» السادة المستعمرين هو الخير كله. «وُضعت الأقلام وجفت الصحف»!
وإذن، تتعامل الدولة المضيفة لمقر «الأمم المتحدة» مع الفلسطينيين مثلما يُعامل الأيتام على مآدب اللئام، وتوصد دونهم أبواب منتدى الأمم. ولا تعتبر أن من حق رئيس دولة فلسطين -التي تعترف بها أغلبية الدول ولها مكانة «دولة مُراقِب غير عضو» كسبتها بشق الأنفس- الوصول إلى المنظمة الدولية التي يُمثِّل أمته أمامها.
في القانون، لا تملك الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، حرية منع ممثلي الدول الأعضاء من الوصول إلى مقر المنظمة لحضور اجتماعاتها. وينص «اتفاق المقر» المبرم في العام 1947 بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة في القسمين 11 و13 على ألا تفرض السلطات الأميركية عوائق أمام مرور ممثلي الدول إلى مقر الأمم المتحدة، وأن تُمنح لهم التأشيرات، عند الحاجة، «من دون رسوم وبأسرع ما يمكن». ولا ينص الاتفاق على استثناءات.
مع ذلك، اضطرت «الجمعية العامة» إلى معالجة مشكلة تغييب فلسطين بالتصويت، وأقرت في 17 من هذا الشهر، بأغلبية 152 صوتًا مقابل 3 –وأربعة ممتنعين- قرارًا يسمح لعباس بتقديم كلمة مسجلة مسبقًا تُعرض في قاعة «الجمعية العامة»، ويتيح ترتيبات للمشاركة الفلسطينية عن بُعد. (الولايات المتحدة، والكيان، وباراغواي هي الدول الثلاث التي صوتت ضد القرار).
كان ذلك تصحيحًا جزئيًا للمشهد، لكنه كشف في الوقت نفسه عن زحف القتامة المطبق على المشهد الدولي. ولمن يتذكّر، كانت الولايات المتحدة قد فعلت الشيء نفسه ورفضت في العام 1988 منح ياسر عرفات -الذي لم يكن آنذاك رئيسًا لدولة لها مكانة رسمية في الأمم المتحدة- تأشيرة لدخول نيويورك. كان عرفات في ذلك الوقت رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تتمتع منذ العام 1974 بصفة مراقب لدى الأمم المتحدة. وكان مدعوًا للمشاركة في أعمال الدورة الثالثة والأربعين للجمعية العامة بهذه الصفة، وليس بصفته رئيسًا لدولة فلسطين بالمعنى الذي يمثله رئيس منظمة التحرير الآن.
ولأن جماعة الأمم كانت ما تزال تحتفظ آنذاك بقدر من احترام الذات، فإنها لم تحبّ أن تتحايل على منع عرفات بشيء من نوع نقل خطابه إلى الشاشة، وإنما نقلت اجتماعها كله إلى جنيف حتى تضمن أن تتمكن القيادة الفلسطينية من مخاطبتها. واعتمدت القرار رقم 49/43، الذي أعرب عن أسف الجمعية لقرار الولايات المتحدة بشأن عرفات، وأكد حق الأشخاص المشمولين بالقسم 11 من اتفاق مقر الأمم المتحدة للعام 1947 في دخول الولايات المتحدة بلا عوائق بغرض الوصول إلى مقر الأمم المتحدة. ونص القرار على أنه «في الظروف الملحّة الراهنة ودون مساس بالممارسة المعتادة» تقرَّر نقل مناقشة بند «قضية فلسطين» من نيويورك إلى مكتب الأمم المتحدة في جنيف خلال 13–15 كانون الأول (ديسمبر) 1988. وطلَب من الأمين العام اتخاذ الترتيبات اللازمة لذلك. ومرّ القرار بأغلبية 154 صوتًا مقابل صوتين فقط (الولايات المتحدة والكيان الصهيوني)، وامتناع بريطانيا عن التصويت. وفي جنيف، تمكن عرفات من مخاطبة «الجمعية العامة» بشخصه في 13 من ذلك الشهر.
واليوم، بعد نحو أربعة عقود، تقول قصة حجب التمثيل الفلسطيني –بين أحداث كثيرة أخرى- شيئًا عن تطور الهيمنة الأميركية. لقد احتكرت الولايات المتحدة بالقوة الجبرية سلطة منح أو حجب تأشيرة الدخول إلى «الأسرة الدولية»، حرفيًا ومجازيًا. عارِض فقط هيمنتها ولن تكتفي بحرمانك من ختم الدخول إلى منتدى الأمم المتحدة في الخيبة بنيويورك، وإنما ستخرجك من العالم الأوسع وتغلق أبوابه دونك: بالعزل، والعقوبات، وتجميد الأصول، وتقييد التعامل المالي والدولاري، وإجبار الآخرين على النأي بأنفسهم عنك تحت التهديد بتمزيق «تأشيراتهم» هم أيضًا.
بالنسبة لعباس، ربما تحب الولايات المتحدة ما يفعله ويمثله كشخص وكتيار، ولذلك تبقي «السلطة» وتبقيه في السلطة. لكنّها تحرمه من التأشيرة لتقصي ما يمثله كرئيس -بغض النظر عن مصدر شرعيته- لأمة طامحة إلى «الاتحاد» مع بقية «الأمم المتحدة» بشخصها المادي والاعتباري.
إذا كان ثمة ما ينبغي - في الوضع الطبيعي- للرئيس وتياره أن يعترفوا به بألسنتهم، والذي يعرفه القاصي والداني بكامل اليقين، فهو أن الولايات المتحدة ليست وسيطًا خارج الصراع، وإنما العدو الأساسيّ العاكف على إخراج الفلسطينيين من الوجود والتاريخ. وإذا كانت أميركا تسمح بوجود واستمرار «السلطة الفلسطينية» ومؤسساتها، فلأنها صنيعتها وتعمل بشروطها، وتخدم كأداة علاقات عامة لتسويق مشروعها في المنطقة -نفس المشروع القائم على بقاء وتمدد وتفوق الكيان الاستعماري الصهيوني، النقيض الوجودي لفلسطين. ولذلك، تُعلن أن مؤهل الفلسطينيين الوحيد لنيل «التأشيرة الأميركية» هي أن يطلبوها لتسفيرهم إلى خارج التاريخ.







