الدعجة يكتب: الأردن وأوروبا: من الاستهلاك إلى الاستثمار وتوطين التكنولوجيا
حسن الدعجة
تبدأ التحولات الاقتصادية الكبرى عندما تعيد الدول تعريف موقعها في الاقتصاد العالمي، وتربط علاقاتها الخارجية بقدرتها على الإنتاج والابتكار. ومن هذه الزاوية، يكتسب مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي، المقرر عقده في 19 تشرين الثاني 2026، أهمية استراتيجية تتجاوز استقطاب التمويل إلى توطين التكنولوجيا وبناء الشراكات الإنتاجية. ويأتي هذا المسار امتدادًا للجهود المتواصلة لجلالة الملك عبدالله الثاني في تعزيز مكانة المملكة لدى الشركاء الأوروبيين، وترجمة الثقة السياسية إلى فرص اقتصادية وتنموية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور سفير الاتحاد الأوروبي وبعثته في المملكة، بالتعاون مع المؤسسات الأردنية، في دفع هذا الجهد إلى حيز الوجود وتعزيز التواصل مع المستثمرين. فالتحدي الحقيقي هو تحويل هذه الإرادة المشتركة إلى قدرة إنتاجية وطنية، تجعل الأردن شريكًا في تطوير التكنولوجيا، وتربط كفاءاته بسلاسل القيمة الأوروبية، وتفتح أمام اقتصاده آفاقًا أوسع للنمو والتشغيل والابتكار، وتعزز استقلال قراره الاقتصادي على أسس مستدامة.
تأتي أهمية هذا السؤال من الحاجة إلى الانتقال التدريجي من استهلاك المنتجات والتقنيات المستوردة إلى الاستثمار في إنتاجها، والمشاركة في القيمة التي تولدها. فاستيراد المعدات يرفع القدرة التشغيلية، لكن امتلاك المهارات اللازمة لتصميمها وصيانتها وتطويرها يصنع تحولًا أعمق. والاقتصاد الذي يكتفي بشراء الحلول يبقى مرتبطًا بمصادرها الخارجية، بينما يستطيع الاقتصاد الذي يبني المعرفة حولها أن يوسع صادراته، ويوفر وظائف أكثر استقرارًا، ويحتفظ بحصة أكبر من عوائد النشاط الاقتصادي.
كما يستعد الأردن لعرض محفظة فرص تقترب من 15 مليار دولار، تشمل الطاقة والتعدين والنقل والخدمات اللوجستية والمياه والصناعة والتكنولوجيا النظيفة. ويمنح هذا التنوع المؤتمر قاعدة واسعة لبناء شراكات مترابطة، شريطة التعامل مع الرقم باعتباره قيمة فرص معروضة تحتاج إلى مستثمرين وتمويل وتنفيذ. وتكمن المهمة الوطنية في تحويل هذه المحفظة إلى مشاريع قابلة للحياة، تتضح فيها الجدوى الاقتصادية، والمسؤوليات التعاقدية، والعائد التنموي، وقدرة المؤسسات الأردنية على المشاركة الفاعلة.
وتوفر الشراكة الإستراتيجية والشاملة، التي أُطلقت في كانون الثاني 2025، إطارًا مؤسسيًا لهذا التحول، وتساندها حزمة مالية واستثمارية أوروبية بقيمة ثلاثة مليارات يورو للأعوام 2025 - 2027، تجمع المنح والقروض الميسرة والاستثمارات. وهذه الحزمة منفصلة عن محفظة الفرص المطروحة للمؤتمر. ويمكن تعظيم أثرها بتوجيه أدواتها إلى إعداد المشاريع، وتقليل مخاطر التمويل، وتطوير المهارات، بما يساعد على استقطاب رأس المال المنتج، ويحول الدعم الأوروبي إلى أساس لنشاط اقتصادي قادر على الاستمرار والتوسع. المجلس الأوروبي؛ المفوضية الأوروبية
وفي تقديري، ينبغي أن يحتل توطين التكنولوجيا مركز التفاوض الاستثماري. ويتطلب ذلك اتفاقات واضحة للتدريب الهندسي، ونقل المعرفة الفنية، وتطوير الموردين المحليين، وإنشاء وحدات للبحث والتطوير، ضمن ترتيبات تحترم حقوق الملكية الفكرية. ويمكن ربط الحوافز بمراحل واقعية لزيادة المحتوى المحلي ورفع كفاءة العاملين. فالقيمة الإستراتيجية للمشروع تتعاظم عندما يستطيع المهندس الأردني تشغيل التقنية، وفهمها، وتكييفها مع الاحتياجات الوطنية، والمشاركة لاحقًا في تطوير أجيال جديدة منها.
وتبرز الطاقة والتعدين بوصفهما مجالين مناسبين لهذا المنظور. فمشاريع الطاقة المتجددة والتخزين تستطيع توليد طلب على خدمات هندسية وبرمجيات وأنظمة تحكم وصناعات مساندة داخل المملكة. وفي التعدين، يمكن توجيه الشراكات نحو المعالجة والتصنيع المتقدم، مع إخضاع الخيارات لجدوى فنية وبيئية دقيقة. أما المياه، فتتيح فرصًا لتطوير حلول في كفاءة الاستخدام والمعالجة والمراقبة الرقمية، بحيث تتحول مواجهة التحديات الوطنية إلى خبرة قابلة للتسويق في دول تعاني ظروفًا مشابهة.
ويستدعي هذا المسار إدماج الجامعات ومراكز البحث في تصميم الشراكات منذ بدايتها. فكل مشروع تقني كبير يمكن أن يرتبط ببرنامج تأهيل متخصص، ومختبر تطبيقي، وتدريب للطلبة، وأبحاث تعالج مشكلات الإنتاج الفعلية. وتستطيع الجامعات الأردنية، بما فيها جامعات المحافظات، أن تؤدي دورًا مباشرًا في بناء هذه المنظومة. وعندئذ تصبح العلاقة بين التعليم والاستثمار مسارًا لتطوير المهارات وخلق فرص العمل، وتكتسب الشراكة الأوروبية امتدادًا علميًا واجتماعيًا يتجاوز حدود المنشأة الصناعية.
كذلك، ينبغي أن تحمل خريطة الاستثمار بعدًا وطنيًا متوازنًا. فربط العقبة ومعان والمفرق ومراكز الإنتاج بشبكات نقل وخدمات لوجستية فعالة يمكن أن يوسع انتشار التنمية، ويخفض كلفة الأعمال، ويقرب الفرص من الشباب. ويتطلب نجاح هذا التوزيع تجهيز المواقع، وتوفير الخدمات، وتحديد التخصصات الاقتصادية المناسبة لكل منطقة. فالمستثمر يحتاج إلى منظومة متكاملة، والعامل يحتاج إلى وظيفة يمكن الوصول إليها، والمجتمع المحلي يحتاج إلى أثر ملموس في دخله وخدماته.
وتكتمل هذه الرؤية بتسهيل دخول المنتجات الأردنية إلى الأسواق الأوروبية، عبر معالجة متطلبات المطابقة والاعتماد وقواعد المنشأ، وبناء علاقات طويلة الأجل مع المشترين والمصنعين. كما يمكن للأردن أن يعرض موقعه وخبراته بوصفهما أساسًا لخدمة أسواق إقليمية، وفق جدوى كل مشروع وظروف تلك الأسواق. وهنا تتشكل المصلحة المتبادلة: شركات أوروبية توسع شبكات إنتاجها، وشركات أردنية ترتقي بمعاييرها وقدراتها وتصل إلى أسواق جديدة.
وسيكون الاختبار الحاسم في اليوم التالي للمؤتمر: آلية متابعة معلنة، ومسؤوليات محددة، وجداول تنفيذ، ومؤشرات تقيس التمويل المتحقق والوظائف والقيمة المضافة والصادرات والمعرفة المنقولة. فالشراكة الإستراتيجية تكتسب معناها حين تنعكس على قدرة الدولة والمجتمع على الإنتاج. ولدى الأردن فرصة لصياغة علاقة أكثر عمقًا مع أوروبا، تجعل الاستثمار وسيلة لبناء الإنسان والمؤسسة والتكنولوجيا، وتترجم الثقة السياسية إلى مصالح اقتصادية مستدامة. عندها يصبح المؤتمر بداية انتقال مدروس نحو اقتصاد ينتج المعرفة، ويوظفها، ويشارك بثقة في صناعة المستقبل.







