اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب: حين يدق الهاشميون جرس الإنذار.. على العالم أن ينتبه جيدا

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


بعض الخطابات لا تقف أمامها طويلاً، وبعضها تعيدها مراراً لما تحويه من زخم معرفي وسياسي وإشارات عميقة، وعبارات جزلة، هكذا كان خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكن خطاباً أردنياً بالمعنى الجغرافي المحدود، ولم يكن مجرد موقف سياسي آخر يضاف إلى أرشيف الكلمات في قاعة اعتادت على سماع التظلمات والأزمات، كان في جوهره محاولة لإيقاف العالم ولو للحظة ليدرك فداحة المشهد وما يجري حولنا، وأن يتدارك ما يجرى قبل أن يصبح ما نراه اليوم قدراً سياسياً يصعب تغييره غداً.
 

الملفت في خطاب الملك أنه لم يبدأ من غزة، ولا من الضفة، ولا من سوريا، بل بدأ من شيء أعمق: كلمة «الانتباه»، هكذا قرع الجرس، فقال: إن الانتباه أصبح مورداً نادراً، وإنه في الأمم المتحدة ليس مورداً معرفياً، بل «مورد جيوسياسي»، وهذه العبارة في تقديري تحمل الأمم المتحدة مسؤولية اتجاه ما يراه العالم من تجاوزات للقانون الدولي، وظلم يمارس على البشر، وهذا يحدث ليس لأن الخيارات غير متاحة، بل لأن العالم اختار أن يتجاهل ما يراه.
وهنا تمكن خطورة الرسالة الملكية، فالتجاهل ليس موقفاً محايداً دائماً، عندما يرى العالم الظلم ثم يعتاده، ويشاهد الاستثناء، ثم يسمح باستمراره، يتحول المؤقت إلى دائم، والدائم إلى واقع، والواقع إلى سياسة يصعب اقتلاعها، وهذا ما عبّر عنه الملك وهو يصف عقودا من التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية، فالانتهاكات يتعامل معها بأنها مؤقتة، حتى أصبحت أمراً واقعاً ونهجاً دائماً.
ومن هنا لم يكن الملك يتحدث باسم الأردنيين وحدهم، فالمنبر أردني والصوت هاشمي، ولكن القضية أوسع من حدود الأردن، كان يحمل وجع الفلسطينين، وقلق العرب، ومشاعر المسلمين والمسيحيين تجاه القدس، ونداء كل إنسان يرى القانون الدولي يفقد معناه حين يصبح تطبيقه انتقائياً، ولذلك طرح السؤال الذي يتجاوز فلسطين إلى مستقبل النظام الدولي كله، فإذا أمكن أن يتجاهل القانون الدولي لعقود، فما الذي يبقى من قيمته؟
وعند الحديث عن الواقع الفلسطيني لم يكتف بوصف المأساة، بل استعمل اللغة الحقيقة لما يصف الواقع، فالاستيلاء على الأرض هو ضم فعلي لها، وهدم المنازل هو ترحيل قسري، وما يحدث  هنا وهناك في غزة والضفة ليست حوادث متفرقة، بل أمور منظمة ومدروسة من قبل الاحتلال، وهنا تتجاوز المسألة خلاف المصطلحات إلى دراسة الواقع نفسه، فالواقع أكبر من الإنكار أو التجاهل، وتلطيف اللغة قد يكون الخطوة الأولى نحو فرض الواقع وتطبيعه.
والرسالة الأشد وضوحاً، هي أن المشكلة لم تعد في أن العالم لا يعرف، بل في أنه يعرف ولا يتحرك، فالملك قال صراحة: إن التقاعس السياسي العالمي ليس سببه انعدام الخيارات، بل هو «خيار»، وذكر بأن المجتمع الدولي يمتلك أدوات من العقوبات وتجميد الأصول، والحظر، والعزل الدبلوماسي، وقد استخدمها في قضايا مشابهة.
وهنا تحديدا يجب على العالم أن ينتبه جيداً.
فجرس الإنذار لم يتوقف هذه المرة عند فلسطين، بل انتقل إلى سورية، وإلى التمدد وفرض الوقائع الجديدة، وإلى المياه والحدود، ثم رسم جلالته بوضوح حدود المصلحة الوطنية الأردنية حيث قال: إن أي تهديد للحدود الشمالية، أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي، والأردن، لن يشيح بنظره، وسيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه، وفي هذا السياق صرح الملك أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يساء تقديره على أنه ضعف، وهنا تظهر فلسفة الدولة الأردنية كما أراد الملك تقديمها للعالم، فنحن دولة لا تبحث عن المغامرة، لكنها لا تتنازل عن مصالحها، تؤمن بالسلام كخيار استراتيجي، لكن ليس بمعنى الصمت أو التنازل، وتنفتح على الحوار لكن من غير مساومة على المبادئ، وهذا هو المعنى الأعمق لخطاب الملك، فالسلام يحتاج إلى قوة تحميه، والدبلوماسية تحتاج إلى مبادئ تمنعها من التحول إلى عجز، والصمت يؤجل الانفجار ولا يمنعه.
ولهذا عاد خطاب الملك في نهايته إلى الانتباه: لأن المستقبل لا يتشكل بما نفعله فقط، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً، وعلى العالم هذه المرة أن ينتبه جيداً، لأن بعض التحذيرات إذا لم يصغ إليها في وقتها، لا يعيد التاريخ تكرارها.. بل يعرض نتائج تجاهلها.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية