اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الكعابنة تكتب: خطاب الملك عبدالله الثاني.. حين تتحول الكلمات إلى موقف من أجل الإنسانية

{title}
أخبار الأردن -

رزان الكعابنة
في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني، أوضح جلالته أن المجتمع الدولي يشيح بنظره عن ممارسات إسرائيل، في الوقت الذي تتوغل فيه أكثر في سياساتها التي تركت آثارًا عميقة على الشعب الفلسطيني، من ظلم وقهر وانتهاكات مستمرة لسنوات طويلة.

وقد وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني أنظار العالم إلى حقيقة مفادها أن القضية لم تعد، من وجهة نظره، مقتصرة على معاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال وما يرتبط به من انتهاكات، بل باتت تتصل أيضًا بطموحات إسرائيلية لتوسيع نطاق السيطرة والاستيطان. وأصبحت التهديدات الإسرائيلية، بحسب ما حذّر منه جلالته، جزءًا من مشهد سياسي يتجاوز حدود الصراع القائم إلى محاولات فرض واقع جديد على الأرض.

فالسلام، الذي يفترض أن يكون لغةً مشتركة بين الشعوب والدول، يبدو في ظل استمرار التصعيد وكأنه يفقد مكانته لدى الجانب الإسرائيلي؛ إذ قد يُطرح الحديث عن السلام أمام المجتمع الدولي، بينما تستمر على الأرض أعمال القصف والدمار والتوسع والاستيطان. وهنا يبرز السؤال الذي حمله خطاب جلالته إلى العالم: كيف يمكن الحديث عن السلام في الوقت الذي تستمر فيه الممارسات التي تقوّض مقوماته؟

لم يعد جلالة الملك يتحدث بكلمات هدفها فقط إيصال صورة المعاناة وبشاعة ما يجري، بل بدا خطابه دعوة إلى تحرك حقيقي من المجتمع الدولي، تحرك من شأنه أن يضع حدًا للانتهاكات، ويوقف القتل والدمار والقصف، ويحول دون استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويعيد الاعتبار للقانون الدولي ولحقوق الإنسان.

لقد تجاوزت الانتهاكات، وفق ما يُطرح من انتقادات واسعة للسياسات الإسرائيلية، حدود المساس بالأرض والإنسان لتطال أماكن العبادة والشعائر الدينية؛ فلم تحظَ المساجد والكنائس، في نظر المنتقدين، بالاحترام والحماية اللذين تفرضهما القيم الإنسانية والقواعد الدولية. كما أن ربط اليهودية بالصهيونية على نحو يختزل هوية دينية كاملة في مشروع سياسي أدى، بحسب هذه الانتقادات، إلى تشويه صورة اليهودية والإساءة إلى أتباعها من خلال الخلط بين الدين والمشروع السياسي.

ولم تتوقف آثار هذا الصراع عند فئة أو عمر أو مكان، بل امتدت تداعياته إلى مختلف جوانب الحياة الإنسانية، في ظل مشاهد القتل والدمار والنزوح والمعاناة، حتى أصبحت حماية الإنسان وحقوقه قضية تتجاوز الحدود والجغرافيا.

وقالها جلالته بوضوح: «تمثل سوريا إنذارًا يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباهًا».

فاليوم، تقف سوريا أمام مرحلة مصيرية في مسار بناء دولة ذات سيادة وأمن واستقرار، وفي الوقت ذاته تبرز تحذيرات من أن إسرائيل اختارت أن تبدأ في رسم مسار جديد يقوم على توسيع نطاق نفوذها وانتهاك الأراضي السورية. وكما يختار المجتمع الدولي، بحسب الخطاب الأردني، غض الطرف عن جانب من معاناة فلسطين، فإن المخاوف تتزايد من أن يتكرر الأمر ذاته في سوريا.

وقد وصلت المخاوف إلى مصادر حيوية للمياه، وهي من أهم مقومات الحياة، الأمر الذي يجعل استمرار أي تحركات عسكرية أو توسعية في المناطق القريبة من هذه المصادر قضية تتجاوز حدود الصراع العسكري لتصبح قضية تتعلق بالأمن المائي والاستقرار الإقليمي.

ومع كل خطوة تمر من دون محاسبة أو موقف دولي حازم، يبرز السؤال حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه السياسات، وإلى أين يمكن أن يقود استمرارها في ظل غياب المحاسبة والردع.

أما بالنسبة إلى الأرض الأردنية، فإنها، في الوجدان الأردني وفي الموقف الرسمي للمملكة، خط أحمر لا يمكن المساس به. فالأرض الأردنية والشعب الأردني ومصادر المملكة الحيوية تمثل ثوابت وطنية وسيادية، وهي أمانة في عهدة القيادة والشعب والجيش، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجالًا مفتوحًا لأي أطماع أو مشاريع توسعية.

ومن هنا جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ليعبّر عن موقف أردني واضح تجاه ما يجري، وليتحدث عن قضايا قال جلالته إن المجتمع الدولي عجز أو تردد في الحديث عنها بالقدر الكافي.

وفي هذا الخطاب، يظهر الموقف الأردني بوصفه موقفًا يؤكد الوقوف إلى جانب الإنسان، وإلى جانب الشعوب التي تعاني من الحروب والدمار والتهجير، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، مع التأكيد على ضرورة حماية المدنيين واحترام القانون الدولي ورفض استهداف الأبرياء.

كما يأتي هذا الموقف ليؤكد أن الأردن، قيادةً وشعبًا وجيشًا، ليس بعيدًا عن القضايا الإنسانية التي يعيشها العالم، وليس غائبًا عن الصراعات والحروب والتطورات السياسية التي تشهدها المنطقة.

وفي الوقت ذاته، يردّ هذا الخطاب على كل الشائعات والحسابات التي تحاول، بطرق ووسائل مختلفة، أن تحجب حقيقة الموقف الأردني أو أن تقدّم صورة مغايرة عن إنسانية الأردنيين ومواقفهم تجاه الشعوب المنكوبة والمظلومة.

فالأردن، الذي عاش تاريخيًا وسط منطقة مليئة بالصراعات والأزمات، يعرف جيدًا معنى الحرب واللجوء والدمار، ولذلك بقيت القضايا الإنسانية حاضرة في خطابه السياسي والدبلوماسي.

ولذلك يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني بوصفه رسالة سياسية وإنسانية في آن واحد؛ رسالة تؤكد أن استمرار الانتهاكات والقتل والدمار لا يمكن أن يكون طريقًا إلى السلام، وأن صمت المجتمع الدولي أمام الأزمات المتفاقمة يفتح الباب أمام مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

إن الرسالة التي حملها الخطاب، في جوهرها، تتمحور حول ضرورة وقف استنزاف الإنسانية، ووضع حد لاستمرار الانتهاكات، وحماية الشعوب والأراضي والمقدسات، والعودة إلى لغة القانون والسلام بدلًا من لغة القوة والتهديد.

إنه موقف يمكن اختصاره في عنوان واحد: لن نصمت أمام ما يحدث، ولن نسمح بأن تُنهك الإنسانية أكثر من ذلك.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية