اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو دلو يكتب: دسترة الذكاء الاصطناعي

{title}
أخبار الأردن -

 

معاذ وليد أبو دلو


خلال العقد الأخير، شهد العالم تطوراً تكنولوجياً متسارعاً تجاوز في تأثيره كثيرا مما عرفته البشرية خلال عقود وقرون سابقة، ولم يعد التطور التقني مجرد وسائل جديدة لتسهيل الحياة، بل أصبح يعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والإدارة والإعلام وسوق العمل، وصولاً إلى التأثير في طريقة تفكير الإنسان وصناعة القرار.
 

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى هذا المشهد، وسهولة الوصول إلى تطبيقاته، أصبحناً أمام مرحلة جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
وبقدر ما يحمل الذكاء الاصطناعي من فرص كبيرة لخدمة البشرية، فقد أثار في المقابل مخاوف متزايدة من أن تتوسع قدرة الآلة على التحليل والإنتاج واتخاذ القرار إلى درجة تتراجع معها بعض الوظائف التقليدية للعقل البشري، ولذلك بدأ النقاش لا حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما حول ضرورة ضبط هذا التطور ووضع حدود قانونية وأخلاقية تضمن ألا يتحول التقدم التقني إلى تهديد للإنسان وحقوقه وتجميد للعقل البشري.
ولم يبق هذا النقاش في المجال التقني، بل دخل بقوة إلى السياسة، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من التنافس الإستراتيجي بين الدول الكبرى، وفي الولايات المتحدة الأميركية، وصل النقاش إلى الكونغرس واصبح قضية يتنافس فيها الجمهوريون والدميقراطيون، وحول كيفية الموازنة بين دعم الابتكار والحفاظ على القدرة التنافسية في مواجهة الصين التي تشهد تطور مهول وفق الإحصاءات والتقارير وادخلته في الحياة البشرية بشكل موسع، وبين الحاجة إلى قواعد تحمي الخصوصية والحقوق والسلامة من الاستخدامات الخطرة، وتظهر الوثائق الامريكية الرسمية أن المنافسة مع الصين أصبحت عاملا مؤثرا في النقاش حول طبيعة التنظيم، مع وجود مخاوف من أن تؤدي القيود المفرطة إلى إبطاء الابتكار، وفي المقابل تحذيرات من أن غياب القواعد قد يقود إلى سباق تقني على حساب حماية المجتمع والافراد.
ومن هنا ينتقل السؤال من السياسة إلى الدستور: هل سنشهد خلال السنوات المقبلة دسترة للذكاء الاصطناعي، أو دسترة لحوكمته وتأثيره في منظومة الحقوق والحريات؟
الدول بدأت بالفعل بتنظيم الذكاء الاصطناعي من خلال القوانين والأنظمة والسياسات، لكن التطور اللافت هو انتقال النقاش إلى مستوى دستوري، وتبرز اليونان في عام 2026 باعتبارها من أبرز الدول التي أدخلت الذكاء الاصطناعي صراحة في مسار المراجعة الدستورية، حيث طرحت إمكانية تضمين الدستور حماية الفرد وحريته وأمنه في مواجهة الذكاء الاصطناعي، كما جرى التأكيد على ضرورة أن يتعامل الدستور مستقبلاً مع حقوق المواطنين في مواجهة هذه التكنولوجيا، إلى جانب الفرص والتحديات التي تفرضها.
ولا يعني ذلك أن اليونان دسترت الذكاء الاصطناعي فعلاً أو أنها أصبحت أول دولة في العالم في هذا المجال علماً أن هناك دولا عدة بدأت التفكير في هذا الأمر منها سنغفورة وغيرها، وإنما تكمن أهمية التجربة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح موضوعاً داخل عملية التفكير في تعديل الدستور نفسه، بعدما كان التعامل معه يتم أساساً من خلال القوانين والأنظمة.
وهنا تظهر أهمية مفهوم الدسترة؛ فهي لا تعني وضع تفاصيل تقنية داخل الدستور، لأن التكنولوجيا تتغير بسرعة، وإنما تعني وضع مبادئ دستورية تحكم العلاقة بين الإنسان والأنظمة الذكية، مثل حماية الخصوصية الرقمية والبيانات الشخصية، وعدم التمييز الخوارزمي، وضمان المساواة، وحماية حرية الفرد بالاستخدام، ووجود رقابة بشرية على القرارات التي تمس الحقوق الأساسية، وإتاحة حق الاعتراض والمراجعة، وتحديد المسؤولية القانونية عن القرارات والأضرار الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي وضمان حقوق الافراد بالاستخدام المتاح.
كما أن المسألة لم تعد مرتبطة بحقوق الفرد فقط، فالذكاء الاصطناعي بدأ يدخل إلى المجال العام والانتخابات والإعلام وصناعة الرأي العام، بما في ذلك إنتاج الصور والأصوات والمقاطع المصطنعة، وهو ما يفتح تحديات جديدة أمام نزاهة العملية الديمقراطية وحماية الفضاء العام من التضليل.
وبذلك فإن على العالم أن يعرف كيف يحافظ على حرية الابتكار والتقدم التكنولوجي، وفي الوقت نفسه يضمن ألا تصبح التكنولوجيا قوة تتجاوز القانون أو تنتقص من حقوق الإنسان؟ فالتنظيم المفرط قد يحد من الابتكار، وغياب التنظيم قد يترك الحقوق والحريات أمام تطور سريع لا يملك المجتمع والدول أدوات كافية لمواجهته.
من هنا قد يتجه الفكر الدستوري إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"العقد الدستوري الرقمي"، ليس بمعنى وجود دستور عالمي موحد للذكاء الاصطناعي، وإنما ظهور مبادئ دستورية مشتركة تضع الإنسان وحقوقه في مركز العلاقة مع التكنولوجيا وتصيغها كل دولة حسب نظامها السياسي وبيئتها.
إن التفكير في دسترة الذكاء الاصطناعي لا يعني أن العالم قادر على إيقاف هذا التطور أو السيطرة الكاملة عليه، بل ربما يعني العكس تماماً، أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من الحياة البشرية ومن مستقبل الدول والمجتمعات، وأنه لن يتوقف عند حدود قطاع أو مهنة أو مؤسسة، ولذلك فإن السؤال الدستوري القادم قد لا يكون هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى الدستور، وإنما ماذا يجب أن يحمي الدستور عندما تدخل الخوارزمية في حياة الإنسان وفي ممارسة السلطة وصناعة القرار.
فالتكنولوجيا تتطور، والخوارزميات تتغير، لكن القاعدة الدستورية التي ينبغي أن تبقى ثابتة هي أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان، لا سلطة بديلة عنه، وأن يبقى القانون هو الإطار الذي يحكم التكنولوجيا، لا أن تتحول التكنولوجيا إلى إطار يحكم القانون.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية