اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الرواشدة يكتب: حين تكون الأخلاق «رأسمالنا الوطني»

{title}
أخبار الأردن -


حسين الرواشدة

حين ندقق في مجالنا العام، نكتشف أن ما أصاب منظومة أخلاقنا من جراحات وتراجعات ليس مفاجئا، فقد كان نتاجًا طبيعيا لعمليات طويلة من النحت والتدوير ساهم فيها الكل، بفعله أو بصمته، وتراكمت نتيجة ظروف داخلية وخارجية ، نكتشف، أيضاً ، أننا احتشدنا لمواجهة أو ادانة ارتدادات هذه الازمة حين انعكست على مرايانا السياسية أو الاقتصادية على شكل (فساد) سرق أموالنا، أو مواقف مست حقوقنا وامتيازاتنا ، لكننا لم نفعل ما يجب أن نفعله في المجال الأهم وهو أخلاق الناس/ أخلاقنا، نحن الذين هزتنا حفلة مطرب ، ولم نهتز بما يكفي أمام منظومة من الكذب والتدليس والنفاق والزور ، والفجور في الخصومة ، وأكل اموال الناس بالباطل ، والتدين المغشوش والتقاليد الظالمة ..، وغيرها من الأفعال التي أصبحت للأسف جزءا من سلوكنا العام.

فساد الاخلاق لا يتعلق فقط بما نراه أحيانا في (العوالم السُفلى) حيث تشهر الرذيلة نفسها، ولا في الفجور الذي يمارسه البعض في حياتهم الخاصة، وانما نراه أيضا في المجال العام، خذ مثلاً ما يحدث في قطاع الصحة والغذاء حين نام ضمير البعض فأطعمونا الغـذاء الفاسد، وتلاعبوا بدوائنا، خذ ، أيضا ،ما تمارسه بعض التيارات باسم الدين من فجور سياسي داخل غرفها ومع خصومها ، وما يفعله بعض (المهنيين) وبعض التجار من غش وتدليس وافتراء على جيوبنا، خذ، ثالثا، هؤلاء (البلطجية) الذين انتشروا في شوارعنا ومنتدياتنا السياسية والاجتماعية كيف يمارسون (الخاوة) أحيانا، ولا يتورعون عن النهب والاغتيال والإساءة أحيانا أخرى.

صحيح، من المهم ان نسأل : من يتحمل مسؤولية هذا الفساد الاخلاقي الذي امتد من ساحات المدارس والجامعات والأسواق والأحزاب والنخب والجماعات الى الشوارع «والبيوت المغلقة» ثم الى المجال العام أيضاً؟

لكن الأصح ( الأهم) ان نتوافق على أن سؤال الأخلاق بهذا المعنى الشامل ، لا يجوز أن يرتبط بطبقات وتيارات ترفع لافتة الطهارة السياسي والاجتماعية ، وتحاول أن توظفها لاهداف لا علاقة لها بأخلاق المجتمع وقيمه وسلامته ، وإنما هو سؤال الدولة بامتياز، ليس فقط لأن الاخلاق هي «رأسمالنا الوطني»، وإنما أيضا لأنها أساس بناء الدولة، دولتنا، وعنوان هويتها وشرعيتها، والحارس الأمين لاستقرارها واستمرارها، وبالتالي فإن الإجابة عن هذا السؤال ، بصراحة وحكمة، أصبح مطلوبا وضروريا، بما تقتضيه الإجابة من اعتراف بالإصابات التي طرأت على أخلاقنا العامة، وأسبابها ومن يقف وراءها، فإصلاح الأخلاق يجب أن يتقدم على إصلاح السياسة والإدارة والإعلام والاقتصاد، أو أن يتوازى معها على الأقل.

لا يكفي أن نستنكر حالة «التسفل» الاجتماعي والسياسي التي وصل اليها بعضنا، ولا أن نترصد مجتمعنا لنحصي أخطاءه وما يطفو على سطحه من إساءات وإشاعات، إصلاح الأخلاق العامة يجب أن يكون -كما ذكرت سلفا-مشروعا للدولة، وأن يبدأ من الطبقة السياسية ( طبقة النخب) ، حيث أخلاقيات الوظيفة العامة، وآداب الخصومات السياسية، وأخلاقيات التدين والتعليم والإعلام والسوق والقطاع الخاص والبنوك.. إلخ، وحيث حضور «السلطان» الذي هو القانون، باعتباره أداة لإصلاح من لم ينفع معه أي وسيلة للإصلاح.

الأهم من ذلك، هو استدعاء أخلاقيات الدولة، بما تأسست عليه من قيم السماحة والعفو، والحكمة والاعتدال، هذا الاستدعاء أصبح ضروريا للرد على هواجس الأردنيين وأخلاقياتهم وعافية مجتمعهم، وتطمينهم على ان الدولة التي تقف على عتبة التحديث السياسي والاقتصادي والإداري ،بعد ان دخلت مئويتها الثانية، تسير في الاتجاه الصحيح

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية