اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العثامنة يكتب: كاميرا "فوضى" التي دخلت جرح إسرائيل وتوقفت عند سياج غزة

{title}
أخبار الأردن -


مالك العثامنة

شاهدت الموسم الخامس من المسلسل الإسرائيلي "فوضى" كاملا، وربما للمرة الأولى منذ بدأت متابعته شعرت أنني لا أشاهد فقط عملا أمنيا عن المطاردات والاختراقات والعمل السري، بل أراقب إسرائيل وهي تحاول أن تفهم ما جرى لها، ثم تتردد، في اللحظة نفسها، أمام السؤال الأصعب: ماذا فعلت هي بعد ذلك؟

هذه المرة لا يبدو "فوضى" مشغولا بحماس وحدها، ولا بالفلسطيني بوصفه الخصم الدائم في الحكاية، بل بإسرائيل نفسها، وبالصدمة التي تركها 7 أكتوبر في مجتمع كان يعتقد، حتى صباح ذلك اليوم، أن دولته تعرف كل شيء، وأن جيشه يصل إلى كل مكان، وأن أجهزته الأمنية ترى الخطر قبل أن يصل.

ثم وصل الخطر إلى البيوت.

وهنا، في رأيي، يبدأ الموسم الحقيقي المعروض حاليا على شبكة نتفليكس ووصلت مشاهداته المرتبة الثانية في العالم العربي.

لا أرى في "فوضى" صوتا لليسار الإسرائيلي، ولا أظن أن صناع العمل يرون أنفسهم كذلك أصلا، كاتبي المسلسل الأصليين ليئور راز – وهو البطل الرئيسي- وآفي يسسخاروف – وهو كاتب ومحلل سياسي- خرجا من البيئة الأمنية الإسرائيلية ويكتبان من داخلها، لا من شرفة بعيدة عنها، والمسلسل، في كل مواسمه، منح الرواية الإسرائيلية المساحة الأكبر، حتى حين حاول أن يمنح الفلسطيني وجها إنسانيا.

لكن أهمية الموسم الخامس تأتي من هذا الموقع تحديدا. فالنقد الذي يقوله لا يأتي من خصم لإسرائيل، بل من داخل فكرتها الأمنية نفسها. ومن أناس يؤمنون بالدولة، لكنهم بدأوا يخافون مما تفعله الدولة بنفسها.

حتى اختيار كلمة "الثأر" لتكون في قلب الموسم ليس عابرا. فالثأر هنا لا يقدم باعتباره إجابة، بل باعتباره مأزقا. يبدأ شعورا إنسانيا مفهوما بعد المذبحة والفقد والخوف، ثم يكبر شيئا فشيئا حتى يصبح طريقة في التفكير، وعندها لا يعود السؤال من نقتل، بل ماذا يتبقى منا بعد أن نقتل؟

هذه الفكرة تظهر بوضوح في شخصية دورون. الرجل الذي عرفناه في المواسم السابقة شديد الثقة بنفسه، مندفعا ومؤمنا بقدرته على اختراق عالم خصومه والخروج منه، نراه هذه المرة رجلا متعبا، يحمل الحرب معه حتى حين لا يكون في حرب. هناك علاج نفسي، وذاكرة لا تنطفئ، وغضب لم يعد مجرد أداة في العمل، بل صار شيئا يأكله من الداخل.

وفي مشاهد 7 أكتوبر يصبح المسلسل أكثر وضوحا.

دورون وستيف يتحركان وسط الفوضى، لكنهما هذه المرة لا يبدوان جزءا من منظومة تعرف ما تفعله. هما فردان يحاولان التقاط ما يمكن التقاطه من كارثة أكبر منهما. على الطرق أناس يهربون، وفي البيوت عائلات تنتظر من يصل إليها، بينما السؤال المعلق فوق المشاهد كلها بسيط وقاس: أين الدولة؟

وفي بيت إيلي تحديدا لا يحتاج المسلسل إلى خطاب طويل. زوجته وأطفاله عالقون في الغرفة المحصنة، والخطر يقترب، بينما هو، رجل المؤسسة الأمنية، عاجز عن الوصول إليهم. الرجل الذي يفترض أن يكون جزءا من آلة حماية إسرائيل لا يستطيع حماية عائلته.

في تلك اللحظة لا يعود "فوضى" مسلسلا عن فشل أمني وحسب، بل عن انكسار ثقة.

وربما هنا يمكن فهم جانب من المزاج الإسرائيلي الذي جاء بعد 7 أكتوبر. حين تنهار الثقة بالدولة بهذه الصورة، يصبح الغضب سهلا، ويصبح الانتقام أكثر سهولة، ويصبح من يعد الناس بالقوة المطلقة قادرا على أن يقدم نفسه باعتباره صاحب الإجابة.

وهنا أيضا يبدأ الخلاف الخفي بين "فوضى" وإسرائيل التي يمثلها نتنياهو وحلفاؤه.

المسلسل لا ينكر وجع 7 أكتوبر ولا يحاول تخفيفه، بل يغرق فيه أحيانا، لكنه في الوقت نفسه لا يبدو مقتنعا بأن الثأر يصلح بديلا عن السياسة. كل عملية تفتح الباب لعملية أخرى، وكل دم يقود إلى دم جديد، وكل انتقام يمنح صاحبه لحظة إشباع قصيرة قبل أن يكتشف أن شيئا لم ينته.

حتى قتل سعيد في النهاية لا يصنع خاتمة مريحة. لا تشعر أن الحساب أغلق، ولا أن العالم عاد إلى مكانه. يحدث القتل، لكن الراحة لا تأتي.

وهذا ربما أكثر ما يقوله الموسم بوضوح: يمكنك أن تنتقم، لكنك لا تستطيع أن تعيد الزمن إلى ما قبل الجرح.

مع ذلك، هناك مشكلة كبيرة في "فوضى"، ولا يمكن تجاهلها فقط لأن المسلسل انتقد إسرائيل من الداخل.

غزة موجودة في الموسم، لكنها موجودة خلف السياج.

نراها من بعيد، كجغرافيا وكخطر وكجهة تأتي منها الأحداث، لكن الكاميرا لا تدخل إليها. وهذا الاختيار أثار انتباهي طوال المشاهدة، لأن "فوضى" يأخذنا بالتفصيل إلى الخوف الإسرائيلي. يدخل البيوت، والغرف المحصنة، وسيارات الهاربين، ويعطينا أسماء ووجوها وعائلات وخوفا شخصيا يمكن أن نتعلق به.

أما على الجانب الآخر من السياج، فلا يحدث الشيء نفسه.

لا نعيش يوما مع عائلة في غزة. لا يدخل المسلسل بيتا في غزة المنكوبة بعد القصف، ولا نعرف أبا يبحث عن أولاده، ولا أما تنتظر خبرا، ولا طفلا يصبح له اسم وملامح وحياة تسبق موته.

وهنا تحديدا تظهر حدود الجرأة في "فوضى".

هو قادر على أن يسأل إسرائيل: ماذا فعل 7 أكتوبر بكم؟ وقادر أيضا على أن يسأل: ماذا يفعل الانتقام بكم؟ لكنه لا يصل إلى السؤال الثالث: ماذا فعلتم أنتم بالآخرين؟

فقط تتوقف الكاميرا عند السياج!

وهذه ليست ملاحظة فنية صغيرة، بل أظن أنها تختصر مأزقا إسرائيليا أكبر من المسلسل، فهناك في إسرائيل من بدأ فعلا يشعر بالخوف من التطرف، ومن استمرار الحرب، ومن تحوّل الانتقام إلى عقيدة دولة، ومن الثمن الذي يدفعه المجتمع الإسرائيلي نفسه، لكن المسافة ما تزال بعيدة بين الخوف على النفس وبين القدرة على رؤية ألم الآخر.

لهذا وجدت الموسم الخامس مهما، ليس لأنه قدم رواية عادلة للصراع. هو لم يفعل ذلك، وليس لأنه اكتشف الفلسطيني فجأة، لأنه لم يفعل ذلك أيضا.

بل لأنه كشف، ربما من دون أن يقصد دائما، عن إسرائيل أخرى موجودة تحت ضجيج نتنياهو وبن غفير وسموتريتش. إسرائيل أمنية ووطنية ومجروحة، لكنها بدأت تشك في أن الطريق الذي تسير فيه لا يقود إلى أمن أكثر، بل إلى جولة أخرى من الدم، ثم جولة بعدها.

وهنا تصبح كلمة "فوضى" أكثر دقة من أي وقت مضى.

الفوضى ليست فقط حين يدخل دورون ورجاله إلى مدينة فلسطينية متنكرين، ولا حين تنهار خطة أمنية أو يفلت مطلوب. الفوضى الحقيقية تبدأ حين تصبح دولة قوية بما يكفي لتقتل خصومها، لكنها لا تعود تعرف ماذا تفعل بغضبها بعد ذلك.

والموسم الخامس يصل إلى هذه النقطة بشجاعة لا بأس بها، ثم يتوقف.

يتوقف تماما عند السياج.

كأن إسرائيل بدأت أخيرا تنظر إلى المرآة، ورأت في داخلها شيئا أخافها، لكنها ما تزال غير مستعدة لأن تدير رأسها قليلا نحو الجهة الأخرى.

 




 



 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية