كراجة يكتب: ثلاثة وثلاثون عاما من الفشل
سائد كراجة
فشل “أوسلو” ليس في أنه صفقة خاسرة، بل في أنه فَشَل معرفي في قراءة طبيعة المشروع الصهيوني نفسه. إنّ توقُّع نجاح “أوسلو” وقت إبرامه يؤشّر إلى أنّ المفاوض الفلسطيني، إلى جانب افتقاره إلى أوراق القوة، كان لديه عَوارٌ في فهم الخصم؛ فهو كان يفاوض على الحقوق والحدود، بينما كان الإسرائيلي يناور ويشتري الوقت ليُلغي الحقوق والوجود، والحاضر شاهد على ذلك.
انبهرت القيادة الفلسطينية بالتمثيل على حساب التحرير. يومها قيل لها: خذي وطالِبي، وخلال خمس سنوات ستصلين إلى الدولة. فاعترفت منظمة التحرير بإسرائيل، بينما لم تعترف إسرائيل لا بدولة ولا بسيادة ولا بحدود.
وأكثر من ذلك، أُجِّلت القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود إلى النهاية، أمّا الاستيلاء على الأرض فلم يُؤجَّل. ظلّ الاستيطان يتمدّد، فيما تولّت السلطة المدارس والرواتب والشرطة، وبقيت الأرض والمعابر والمياه في يد الاحتلال. وعلّق بروتوكول باريس وصول المال إلى السلطة على موافقة إسرائيل، حتى انتهت السلطة بلا أيّ نكهة سياسية، بل صارت موظفًا لدى الاحتلال يُقلّل كلفته وينسّق لحفظ أمنه.
والحقيقة أنّ الفشل مطبق، ليس فلسطينيًا وحسب، بل هو عربي في الجوهر والأساس؛ إذ تعامل العرب عمومًا مع الصراع بوصفه نُصرةً لشعب شقيق، وضاقوا به ذرعًا في أحيان كثيرة باعتباره عبئًا عليهم، ولاموا الفلسطيني على أنه أضاع فرصًا عدّة لإنهاء الصراع. وما دروا أنّ المشكلة لم تكن في بندٍ هنا أو خطأ تفاوضي هناك، بل في قراءة المشروع الصهيوني وكأنه مشروع دولة تبحث عن حدود وأمن، ويمكن إشباعه بتسوية معقولة. بعضهم لم يفهم، وبعضهم فهم وتغافل، لأنّ الفهم كان يعني مواجهة أثقل من التفاوض على خرائط ونِسَب.
مقاصد إسرائيل واضحة منذ البداية: أكبر مساحة من الأرض، وأقلّ عدد من الفلسطينيين عليها، وسيطرة دائمة على كل ما حولها. وقد اختُبرت الفرضية المقابلة عربيًا؛ ففي 2002 عُرض على إسرائيل انسحابٌ مقابل تطبيع واسع، وبعد أقلّ من عقدين صارت تطالب بالتطبيع من دون انسحاب ولا دولة. أي إنّ ما كان يُفترض أن يكون ثمنًا للتسوية أرادت تحصيله من دون دفع المقابل.
ولهذا تبدو نسخة “إسرائيل الكبرى” اليوم أقلّ غرابة. فهي ليست وعدًا دينيًا ولا خريطة يرفعها متطرف، بل نموذجٌ كان مقروءًا منذ التسعينيات لمن أراد أن يقرأ: إسرائيل ممتدّة، ومن حولها دول أضعف وأكثر انقسامًا. وتجاهُل هذا النموذج لم يكن نقص معلومات، بل رفضًا لمواجهة كلفة الاعتراف به، ومحاصرةً لثقافة رفض الاستعمار الغربي، وانتقالًا إلى التعايش مع بنيته وثقافته باعتبار ذلك تسامحًا.
وإذا صحّ هذا التشخيص، فالحلّ يحتاج إلى انقلاب معرفي وسياسي، وإلى إعادة موضَعة الصراع باعتبار فلسطين محطته الأولى والوطن العربي ساحته الكبرى. وبهذا الفهم يكون على النظام العربي أن يستشعر الخطر بمفهوم مختلف؛ فكل عاصمة عربية مستهدَفة أرضًا ومقدّرات، تمامًا كما القدس مستهدَفة. وتغدو المطالبة بمشروع عربي في مواجهة المشروع الصهيوني مطلبَ وجودٍ بالمعنى السياسي والحضاري، لا نُصرةً للمظلومين الفلسطينيين على نُبل ذلك.
المطلوب مشروع حضاري لا يبدأ من قصيدة ولا من عوامل وحدةٍ عاطفية، بل من المصلحة الفردية والجماعية للدول العربية؛ يبدأ من مشاريع تكامل في الكهرباء والغذاء والممرات والتمويل والشراء الدفاعي، فيبني قرارًا يصعب تفكيكه دولةً دولة. فإسرائيل تتعامل مع الإقليم كساحة مصالح، بينما نتعامل نحن معه كجزر منعزلة.
والمطلوب كذلك إنهاء الانقسام الفلسطيني المعيب سياسيًا وعمليًا وإنسانيًا؛ فكل الفصائل خاسرة، والأهمّ أنّ الشعب المناضل الصابر خاسرٌ رغم عظمة تضحيته ونضاله. وأقلّ الاعتذار عن أوسلو أن تُعلن السلطة، والأهمّ منظمة التحرير، وحدةً فصائلية على الأرض، وأن تدعوَ إلى مؤتمر عنوانه: إعادة النظر في اتفاق أوسلو، والوقت ليس في مصلحتهم، فقناعتي أنّ أوّل المهجَّرين سيكونون رجال السلطة، وقريبًا... للأسف قريبًا جدًا.
جنابك







