السعايدة يكتب: حسابات الأردن والاستراتيجية الأميركية.. ما المطلوب..؟
راكان السعايدة
مهم أن يعرف الأردن أن أميركا تصيغ استراتيجية جديدة للإقليم، لكن الأهم أن يبادر إلى محاولة التأثير فيها قبل إعلانها، وإن لم يستطع، فعلى الأقل أن يتحسب لها.
صحيح أن الاستراتيجية في طور الصياغة، إلا أن ما سُرّب عنها يؤشر إلى سياقها: بناء تحالف إقليمي من شركاء أميركا لاحتواء إيران بضمانة أميركية، وتنفيذ المرحلة التالية من خطة ترامب في غزة، والتوصل إلى اتفاق أمني بين "إسرائيل" وسوريا، واتفاق سلام مع لبنان، وتوسيع "اتفاقات أبراهام".
هذه الملفات ليست هامشية، فهي تقع في صلب اهتمامات الأردن، أولاً، لتأثره بكل تطور يطرأ على أي منها، وثانياً، لأن طريقة تعامل واشنطن معها تمكنه من قراءة أوسع وأعمق لمتغيرات الوجود الأميركي في الإقليم.
أما الملف الأهم أردنياً، والأكثر حساسية واتصالاً بأمنه الوطني، فهو تحديداً الملف الذي سكتت عنه التسريبات: الضفة الغربية والقدس، وما تفعله "إسرائيل" هناك من تحطيم ممنهج لمقومات إقامة الدولة الفلسطينية، وبما يمهّد الطريق للضم والتهجير، وهو ما سيكون بالضرورة على حساب الأردن.
فحتى لو كان تجاهل التسريبات لهذا الملف مقصوداً، ومطلوباً إحاطته بالغموض لحين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية ومعرفة هوية الحكومة، فإن مجرد الصمت يثير قلق الأردن؛ كيف لا، وهو الملف الأخطر والأكثر اتصالاً بأمنه الوطني؟
هذه المتغيرات، والغموض المحيط ببعض الملفات الحساسة، كالضفة الغربية مثلاً، تدفع إلى طرح سؤالين مترابطين، ولهما أهمية كبيرة:
أولاً: هل بمقدور الأردن أن يؤثر في تصورات أميركا تجاه هذه الملفات، وفي مقدمتها الضفة والقدس؟
وثانياً: كيف تقرأ عمّان، في الإطار الأوسع، احتمالات تغير شكل الوجود الأميركي في الإقليم ومضمونه، وهل تستعد لذلك؟
إجابة الشق الأول من السؤال ليست صعبة؛ فالأردن لديه أسباب ومقومات تتيح له قدراً معقولاً من التأثير في بعض حسابات الاستراتيجية الأميركية، وليس أقل هذه المقومات امتلاكه موقعاً جغرافياً حيوياً، وقدرات عسكرية وأمنية وازنة، واستقراراً سياسياً لافتاً قياساً بواقع الإقليم.
هذه، بتقديري، ليست مجرد مزايا أردنية، بل أوراق قوة ذات قيمة استراتيجية، لارتباطها المباشر بحسابات الأمن والاستقرار الإقليميين، وتأمين الممرات وحركة التجارة والطاقة وغيرها، وهي كلها تقع في صلب اهتمام أميركا ودول المنطقة.
وإذا كان بمقدور الأردن أن يوظف هذه الأوراق ويستثمرها بشكل أمثل، سياسياً ودبلوماسياً، فسيكون باستطاعته تحويلها من مجرد مزايا جغرافية وأمنية إلى نقاط قوة تعزز قدرته التفاوضية، وتتيح له أن يكون طرفاً مؤثراً في توازنات الإقليم، لا متلقياً لنتائجها، وتمنحه فرصة أفضل لضمان ألا يتم تجاهل مصالحه لفائدة أي طرف آخر.
لذلك، المطلوب، في هذا التوقيت، أن يتحرك مركز الدولة السياسي وذراعه الدبلوماسي مبكراً، مستنداً إلى ما لدى الأردن من أوراق، ليشرح للإدارة الأميركية أن استراتيجيتها الجديدة لا بد أن تراعي مصالح عمّان وتأخذها بالجدية الكافية.
أي أن تقول لواشنطن بصراحة: أياً كان ما تفكر فيه بشأن ملفات الإقليم، وتحديداً سوريا والضفة الغربية وغزة، فإن تأثيراته ستكون مباشرة على الأردن، ومن المهم أن يكون له رأي فيها وفي كيفية معالجتها.
وواشنطن تعلم جيداً حساسية عمّان تجاه هذه الملفات، ومع ذلك لا ينبغي أن يمنعها ذلك من إعادة التأكيد عليها؛ ليس لمجرد بيان عمق تأثيرها في استقرار الأردن وأمنه واقتصاده ومستقبله السياسي، وإنما لضمان أن تعالجها الاستراتيجية بما لا يتناقض مع مصالحه أو يأتي على حسابه.
وأي استراتيجية أميركية تتجاهل مخاوف الأردن ولا تعالجها بالشكل الصحيح، ستلقي عليه أعباء ثقيلة ومكلفة، وستزداد هذه الأعباء ومخاطرها إذا لم تمنحه مزاياه، كقيمة استراتيجية، الموقع الذي يستحقه داخل منظومة الإقليم.
لذلك، لا ينبغي أن تقتصر دوافع التحرك الأردني على مراقبة المتغيرات وتقييم تبعاتها، وإنما عليه أن يتحسب أيضاً لاحتمال أن يجد نفسه، بسبب هذه المتغيرات، مدفوعاً إلى إعادة تعريف مصالحه وآليات تأمينها.
هذه مسألة مهمة، ولا تهاون فيها، وتتطلب أن يكون الأردن جاهزاً ومستعداً لكل الاحتمالات، ولديه خيارات وبدائل لكل احتمال.
من هنا تصبح الإجابة عن الشق الثاني من السؤال أكثر إلحاحاً؛ فوجود أميركا في الإقليم، بعد الاستراتيجية المنتظرة، قد يختلف، جزئياً أو كلياً، عما كان عليه سابقاً.
ولا بد أن تتحوط عمّان لاحتمال ألا يكون لها تأثير كافٍ على ما يفكر فيه البيت الأبيض تجاه الإقليم وملفاته المفتوحة.
فأميركا، وفق ما سُرّب عن استراتيجيتها، تبدو وكأنها تريد، أولاً، إما إغلاق ملفات الإقليم، أو، ثانياً، إدارتها بشكل مختلف.
وأياً كان ما تريده فعلاً، فإن صلب الاستراتيجية، وفق ما سُرّب، يبدو قائماً على إعادة ترتيب أدوار دول الإقليم في مواجهة إيران، وإدارة ملفات غزة وسوريا ولبنان، ودفع مسار التطبيع بين السعودية و"إسرائيل".
الأردن، وهو يقيم متغيرات هذه الملفات ويقاربها، عليه أن يبقي ملف الضفة بين أهم أولوياته؛ ليس فقط تحسباً لكيفية إدارة أميركا لهذه الملفات، بل لما قد تكشفه طريقة إدارتها عن طبيعة الوجود الأميركي، وكيف يمكن لواشنطن أن تعيد تموضعها في الإقليم.
والسؤال هنا: هل يمهد ذلك، على المدى البعيد، لتقليص الوجود الأميركي في الإقليم، أم أن غايته إعادة توزيع مسؤولية الدفاع عن أمن دوله بضمانة أميركية؟
الأرجح، في ظني، أن الوجود الأميركي في الإقليم لن يبقى كما اعتدنا عليه؛ فقد يتراجع الحضور العسكري المباشر، من دون أن يعني ذلك انحساراً كبيراً في نفوذها أو ترك فراغ إقليمي تملؤه قوى أخرى.
في المدى المنظور، ستبقى أميركا حاضرة في الإقليم، وستبقى حليفاً للأردن، لكن ذلك لا يجب أن يجعل عمّان أسيرة مسار واحد في علاقاتها الإقليمية والدولية؛ فكلما تغير الدور الأميركي وتراجع حضوره، ازدادت الحاجة إلى موازنة علاقاتنا وتنويع خياراتنا، تحسباً للاحتمالات ومنعاً للمفاجآت.
بهذا المعنى، فإن كانت أميركا حليفاً سياسياً وعسكرياً أكثر منه اقتصادياً، فإن الصين، التي بدأنا معها خطوات تقارب جيدة، يمكن أن تكون شريكاً اقتصادياً مهماً، ومع الزمن يمكن أن تتطور فائدتها السياسية والاستراتيجية.
الأردن ليس مجبراً على أن يختار بين حليف وآخر، لكن الضرورة تقتضي أن يوسع هامش حركته، ليكون قادراً على حماية مصالحه، بغض النظر عما سيكون عليه الإقليم، وأياً كان شكل الحضور الأميركي فيه.







