اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: التوحد.. هل هناك متعة فيه؟

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


حين نسمع كلمة «التوحد»، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن عادة هو قائمة طويلة من الصعوبات والتحديات، تتأسس على مشكلات التواصل والحساسية المفرطة للمؤثرات الحسية، وصعوبة الاندماج الاجتماعي، والعقبات التي تواجه الأسر في التربية والرعاية.
 

لكن اختصاصية تشخيص التوحد الكاتبة سارة هندريكس، تقترح في مقالها المنشور مؤخرا على موقع مجلة «أوين»، أن التوحد قد يكون «تجربة ممتعة للغاية»، وأن مجموعة «العمليات المعرفية والتصورات والسلوكيات غير النمطية المصنفة سريريا على أنها اختلال وظيفي وإعاقة، قد تجلب قدرا كبيرا من الرضا والمتعة».
هندريكس تطرح إعادة النظر في الطريقة التي نفكر بها حول التوحد، فهي تعترف ابتداء بوجود الصعوبات، لكنها تعترض على الخطاب السائد الذي اختزل التوحد لعقود طويلة في إطار القصور والخلل الوظيفي، حتى بات من الصعب رؤية أي جانب آخر من التجربة الإنسانية التي يعيشها المصابون.
تقترح الكاتبة أن بعض السمات المرتبطة بالتوحد يمكن أن تكون مصدرا حقيقيا للرضا والإنجاز. هندريكس تكتب من موقع شخصي ومعرفي في آن واحد، بوصفها مختصة في تشخيص التوحد، وأيضا كونها تم تشخيصها بالتوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، لذلك تكتسب أطروحتها أهميتها بحديثها عن التوحد من داخل التجربة نفسها.
تلفت هندريكس الانتباه إلى جانب غالبا ما يغيب عن النقاش، وهو الفضول المعرفي الاستثنائي الذي يتمتع به كثير من الأشخاص ذوي طيف التوحد، كالرغبة العميقة في الفهم والبحث عن التفاصيل، واكتشاف الأنماط والعلاقات بين الأشياء، وهي سلوكيات قد تكون جزءا من طريقة خاصة في النظر إلى العالم. وفي الوقت الذي يرى فيه الآخرون تفاصيل عابرة، قد يرى الشخص المصاب بالتوحد شبكة كاملة من العلاقات والمعاني تستحق الاستكشاف.
هذا التركيز العميق يقود غالبا إلى اهتمامات خاصة تتجاوز حدود الهوايات التقليدية، فالكثير من المصابين يركزون على تخطي المعرفة السطحية حول موضوع ما، وينغمسون فيه إلى درجة التخصص. وفي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى المعرفة الدقيقة والخبرات المتخصصة، تبدو هذه القدرة نقطة قوة حقيقية أكثر منها نقطة ضعف. ربما لهذا السبب نجد أن عددا كبيرا من المبدعين والعلماء والباحثين والمبرمجين يمتلكون سمات قريبة من هذا النمط المعرفي القائم على التركيز والانشغال العميق بالتفاصيل.
كذلك تثير الكاتبة فكرة لافتة تتعلق بالحياة الحسية، فالحساسية المرتفعة للأصوات والأضواء والروائح قد تكون مرهقة بالفعل، لكنها قد تجعل بعض التجارب الجمالية أكثر كثافة وثراء. العلاقة مع الطبيعة والألوان والتفاصيل الصغيرة التي تمر من دون انتباه لدى معظم الناس، يمكن أن تصبح مصدرا خاصا للمتعة والدهشة، ما يجعلها طريقة مختلفة في استقبال العالم نفسه.
رؤية هندريكس تنقل النقاش من «صفات النقص» لدى هؤلاء الاشخاص، إلى «طريقة عيشهم»، وهو تحول كبير في النظر إلى حالتهم الإنسانية، التي غالبا ما نراها من زاوية النقص والمخاطرة وتحويل أصحابها إلى ملفات طبية، بينما هم في الحقيقة بشر كاملون يمتلكون نقاط ضعف ونقاط قوة.
لكن حديث الكاتبة عن الجوانب الإيجابية قد يحجب أحيانا حجم المعاناة التي يعيشها كثير من المصابين بالتوحد، وقد اطلعت شخصيا على معاناة بعضهم، خصوصا أولئك الذين يعانون درجات شديدة من الإعاقة أو يحتاجون إلى دعم مستمر في حياتهم اليومية. كما أن التوحد ليس تجربة واحدة يمكن تعميمها، فهو طيف واسع من الحالات المتباينة، وما يعتبره بعضهم مصدرا للسعادة قد لا ينطبق على آخرين.
الاعتراضات هذه لا تسقط الفكرة الأساسية التي تدافع عنها هندريكس، فالإقرار بوجود جوانب إيجابية في تجربة ما لا يعني إنكار جوانبها الصعبة. والحقيقة أن العلم ينبغي أن يمتلك القدرة على رؤية الأمرين معا، والتوقف عن اعتبار التوحد مأساة خالصة، أو موهبة خارقة، والنظر إليه على إنه شكل مختلف من أشكال الوجود الإنساني، يحمل في داخله إمكانات المعاناة والإنجاز في آن واحد.
الإنسان سيظل دائما أكبر من التشخيص الذي يحمله، فخلف المصطلحات الطبية والتصنيفات توجد حياة كاملة واهتمامات وقدرات قد لا نراها إذا اكتفينا بالنظر إلى النقص وحده، لذلك علينا محاولة الفهم بطريقة أكثر إنصافا للطبيعة البشرية نفسها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية