الحوارات يكتب: من رفض الدولة إلى رفض الفلسطيني: التهجير في قلب الانتخابات الإسرائيلية
د.منذر الحوارات
لم يعد يفصلنا عن الانتخابات في دولة الاحتلال سوى أسابيع قليلة، وهي الأولى بعد أحداث السابع من أكتوبر، لذلك تكتسب طابعاً مصيرياً، لأنها ستكون ساحة لتصفية حسابات تلك المرحلة، فهناك معسكر يؤيد نتنياهو، وآخر يريد تحميله مسؤولية الإخفاق الأمني وإقصاءه، أما المسألة الأعمق، فهي أن بعض الأحزاب تدخل الانتخابات لا بشعارات السلام أو الدولة الفلسطينية أو المصلحة الانتخابية السياسية، بل تحت سؤال أشد خطورة: كيف ستتعامل إسرائيل مع وجود الشعب الفلسطيني نفسه من البحر إلى النهر؟
عادةً تطرح الفكرة أولاً في القضايا المصيرية، ثم تناقش قبل أن تتحول إلى سياسة، أما التهجير، فقد بدأت أفعاله في غزة والضفة، بينما تأتي الانتخابات لتمنحه الشرعية والميزانية والأداة الحكومية، فقضايا التحقيق في السابع من أكتوبر وفساد نتنياهو وتجنيد الحريديم قد تخضع للتسويات، لكن مستقبل الفلسطينيين بات ساحة تنافس يميني على درجة التشدد وطريقة فرض السيطرة، صحيح أن اليمين المتطرف لا يملك أغلبية، لكنه يستطيع، بالنظام الائتلافي، صناعة الأغلبية والملوك وتحديد شروط بقائها.
لم يعد بن غفير يطرح أمنية أيديولوجية، فقد قدم خطة أسماها «الانفصال 710»، تستهدف إخراج 250 ألف فلسطيني في السنة الأولى، و1.11 مليون خلال 3 سنوات، و1.86 مليون خلال 7 سنوات، وحدد لها تمويلاً أولياً بعشرة مليارات شيكل، يمكن أن ترتفع إلى 50 ملياراً، وحزم دعم للدول المستقبلة والعائلات، وجعل إنشاء «وزارة للهجرة» شرطاً للانضمام إلى الحكومة المقبلة، وهكذا لم تعد خطورته في عدد مقاعده، بل في نجاحه في نقل التهجير من هامش الكهانية السياسية إلى قلب المجال العام الإسرائيلي.
يجري إعداد البيئة اللازمة للخطة تحت اسم «الهجرة الطوعية»، لكن كيف تكون طوعية وإسرائيل تسيطر على معظم القطاع، فيما يتكدس السكان في مساحة ضيقة تفتقر إلى شروط الحياة؟ الغارات مستمرة، ومواد الإيواء مقيدة، والإعمار معطل، ومصادر الرزق مدمرة، بينما تربط إسرائيل انسحابها من غزة بشروط سياسية وأمنية معقدة، ولا يخفي يسرائيل كاتس أهدافه، فهو يتحدث عن إخراج السكان بحراً وجواً، وإنشاء مديرية في وزارته تحت اسم «المغادرة الطوعية»، إنها هجرة بالإكراه، لأن من يُخيَّر بين الجوع والرحيل لا يملك اختياراً حراً.
وفي الضفة، هناك مسار آخر بموازاة غزة لكن بأدوات مختلفة: توسيع الاستيطان، وتقطيع تواصل المجتمعات الفلسطينية، والحواجز، وعنف المستوطنين، واقتطاع أموال المقاصة، ويأتي مشروع E1 لربط القدس بمستوطنة معاليه أدوميم وفصل شمال الضفة عن جنوبها، بما يقوّض قيام دولة متصلة، كما تحدثت الأمم المتحدة عن تهجير أكثر من 33 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، محذرة من نمط يثير مخاوف التطهير العرقي، إذاً نحن أمام مسارين: غزة تحت النار، والضفة تحت الاستيطان؛ لكن الغاية واحدة.
لقد منحت الانتخابات اسماً سياسياً لما يجري على الأرض، والخطر ليس في قدرة بن غفير على تنفيذ أرقامه، بل في جعل التهجير خياراً مشروعاً يناقش في المؤتمرات ومفاوضات الحكومات، وقد لخصت عميرة هاس التحول حين رأت أن النقاش لم يعد حول موقف غادي آيزنكوت من الدولة الفلسطينية، بل حول وجود الشعب الفلسطيني بين النهر والبحر.
فآيزنكوت ينافس نتنياهو على المسؤولية الأمنية، لكنه يصف حل الدولتين بعد السابع من أكتوبر بأنه غير واقعي، ويتعهد بألا تقوم دولة فلسطينية في عهده، ومثله بينيت وليبرمان بدرجات مختلفة، لذلك ليست معارضة نتنياهو معارضة لمشروعه تجاه الفلسطينيين، بل تجمعهم الرغبة في إزاحته من المشهد، وهم مجتمعون على رفض الدولة الفلسطينية جملةً وتفصيلاً.
أما واشنطن، التي ترفض التهجير القسري وتؤكد حق المغادر في العودة، فهي أمام اختبار: هل ترفض المشهد الفج للترحيل فقط؟ بينما تتسامح مع السياسات التي تصنعه؟ بينما سيقوض امتناعها عن استخدام نفوذها صدقيتها، ويضع حلفاءها العرب أمام غضب شعبي عارم.
وبالنسبة إلى الأردن، قد تكون غزة بعيدة عن حدوده، لكن نجاح التهجير فيها سيصنع سابقة قابلة للانتقال إلى الضفة، بما يهدد الدولة الفلسطينية والوصاية الهاشمية، ويولد ضغطاً ديموغرافياً وأمنياً على المملكة، وتنظر مصر إلى التهجير نحو سيناء بوصفه تهديداً لسيادتها وأمنها، لذلك قد لا ينسف المشروع آمال الفلسطينيين في الدولة وحدها، بل يضع معاهدتي السلام أمام أزمة وجودية.
لقد أفشل الفلسطينيون مشاريع التهجير بصمودهم، لكن صمودهم لا يمنح العالم حق تركهم وحدهم، ولا يحول قدرتهم على الاحتمال إلى التزام أبدي بالعذاب، قد لا تنجح إسرائيل في تهجيرهم، لكن انتقال الفكرة من مستوى جماعات هامشية متطرفة إلى برنامج انتخابي يعني أن التنفيذ السياسي قد بدأ، وإذا تُرك الفلسطيني بين خيار الموت في وطنه أو الرحيل عنه، فلن تكون النتيجة جريمة إسرائيلية فقط، بل تواطؤاً دولياً مكتملاً، وليست هذه هي الأولى في ذاكرة الفلسطينيين، ففي الجعبة الفلسطينية مرات أخرى كثيرة منذ ولادة هذا الكيان.







