نادية سعدالدين تكتب: "ترامب".. "بيضة القبان" بين نتنياهو وآيزنكوت!
نادية سعدالدين
ترتبط المعركة التنافسية الأشد ضراوة بين «نتنياهو» و»آيزنكوت» وما ينجم عنها من تشكيلة الحكومة الصهيونية القادمة بعد انتخابات 27 أكتوبر، إلى حد كبير، بحسابات الرئيس «ترامب» السياسية والاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب على إيران، حتى وإن لم يعلن رسمياً للآن لمن سيمنح دعمه، مُتعمداً إبقاء ورقته الانتخابية المُؤثرة مفتوحة بين المرشحَين الأوفر حظاً وفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة.
وتماهياً مع تاريخ طويل من التدخل الإمريكي، العلني والمُبطن، في المشهد الانتخابي للكيان المُحتل، مثل عام 1992 بسقوط حكومة اليمين بزعامة «إسحاق شامير» وفوز حزب العمل برئاسة «إسحق رابين» وعام 1996 عند فشل جهود الرئيس «بيل كلينتون» المستميتة لإنقاذ «شمعون بيريز» وفوز «نتنياهو» ومن ثم نجاحها عام 1999 بسقوط الأخير وفوز «إيهود باراك»، وخلافاً لدعمه المباشر «لنتنياهو» برزمة «هدايا ذهبية» حسمت فوزه في انتخابات 2020 عند الاعتراف بالقدس المحتلة «عاصمة لإسرائيل» و»بالسيادة الإسرائيلية» على الجولان السوري المحتل وإعلان ما يسمى «صفقة القرن» في البيت الأبيض بحضوره؛ إلا أن الرئيس «ترامب» يتعامل هذه المرة مع الملف الانتخابي الصهيوني بطريقة مُغايرة.
فبالرغم من علاقته الشخصية والسياسية الوثيقة مع «نتنياهو» والتي يشوبها التوتر والإحباط من سياساته حيال ملفات إيران ولبنان وغزة، إلا أن «ترامب» لا يعتبر تأييده انتخابياً أمراً محسوماً، بينما يُبقي المرشحين الآخرين في حساباته، لاسيما «آيزنكوت» رئيس حزب «يشار»، الذي قد يرى فيه شريكاً أمنياً وعسكرياً مناسباً للمرحلة المقبلة، خلافاً لحالة البراغماتية والمؤسسية الحذرة التي وسمت علاقتهما أثناء ولاية «ترامب» الرئاسية الأولى حينما أطلقت الإدارة الأمريكية آنذاك تحذيراتها من اشتعال الضفة الغربية نتيجة إجراءات مؤسسة الاحتلال العسكرية، إلا أن «آيزنكوت» الذي كان يُمثل رئيس أركانها العامة رفض الامتثال لتوجهاتها ومضى في جرائمه المعهودة.
هذا التحول اللافت في علاقة «ترامب» خلال ولايته الرئاسية الثانية بآيزنكوت، جنرال «عقيدة الضاحية» الذي يُعرف بدمويته وتطرفه وعنصريته الشديدة تجاه رفض حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ومنع إقامة دولتهم المستقلة المنشودة، يُفسر قنوات الاتصال السرية التي تقوم الإدارة الأميركية منذ يونيو 2026 بفتحها مع قادة «المعارضة» الصهيونية، ربما لقناعتها المتزايدة بقلة حظوظ «نتنياهو» الانتخابية أو لرغبة منها في بناء آليات ثقة غير رسمية جديدة مع القيادة البديلة المُحتملة في الكيان المحتل.
ولأن «المعارضة» الصهيونية تُدرك جيداً مدى التأثير الأمريكي على الناخب «الإسرائيلي» الذي يضع العلاقة مع واشنطن كمعيار رئيسي لمدى نجاح رئيس وزرائه وتأمينه للدعم العسكري والأمني الذي يشكل هاجساً بالنسبة إليه؛ فقد قام قبل أيام قليلة مقربون من «آيزنكوت» و»نفتالي بينيت» بنقل رسائل مباشرة للإدارة الأميركية واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة يطلبون فيها من «ترامب» البقاء محايداً في انتخابات أكتوبر القادمة وعدم تقديم أي دعم علني أو تأييد انتخابي لنتنياهو. ويبدو أن ضغوط معسكر «آيزنكوت» والمعطيات الحالية قد آتت أكلها جزئياً، عبر تمنع «ترامب» حتى الآن عن إعلان دعمه المطلق لنتنياهو.
يمكن للإدارة الأميركية أن تؤثر في المشهد الانتخابي الراهن للكيان المحتل عبر طريقتين؛ إذا اختارت واشنطن زيادة الضغط علناً على «نتنياهو» بشأن ملفات لبنان وغزة، وإظهار أن استمرار وجوده في السلطة يضع الكيان المحتل في عزلة دولية، فإن ذلك سيدفع ناخبي الوسط واليمين الليبرالي للتمسك بآيزنكوت، كونه جنرالاً مؤسسياً يحظى باحترام البنتاغون وإدارة «ترامب»، وقد يصار أيضاً لتصوير أي خطوة أمريكية لإبرام اتفاقيات تهدئة إقليمية أو صفقات كبرى على أنها صِيغت بالتعاون مع رجالات «المؤسسة الأمنية»، التي ينتمي إليها «آيزنكوت»، وليس مع اليمين المتطرف، مما يعزز من رصيد حزب «يشار» الانتخابي. أو أن تُروج لعكس ذلك لإثبات أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الأمن والاستقرار داخل الكيان المحتل، وهي المعادلة التي يُتقن «نتنياهو» اللعب على وترها، بما يُحسن وضعه الانتخابي وسط الأزمات السياسية والقضائية التي تلاحقه. أو قد تختار الترقب لرؤية من سيفوز في صناديق الاقتراع.
وفي جميع الحالات؛ فإن القضية الفلسطينية بعيدة عن حسابات واشنطن التي لا تملك رؤية استراتيجية واضحة لحل الصراع العربي – الصهيوني، بل إدارته فقط لصالح المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي في فلسطين المحتلة.







