اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدرعاوي يكتب: الدين العام.. من إدارة الرصيد إلى إدارة المحفظة

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


بعد التقرير الصحفي الذي نشرته الأسبوع الماضي في صحيفة "الغد" حول نجاح الحكومة في كبح جماح نمو كلف فوائد الدين، يصبح من الضروري الانتقال بالنقاش من سؤال: كم يبلغ الدين؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف تتم إدارته، وكم تكلف محفظته المالية الخزينة سنوياً؟
 

فالدين العام لا يمكن النظر إليه باعتباره رقماً مطلقاً، وإنما كمحفظة مالية لها آجال استحقاق وكلف وفوائد ومخاطر ومصادر تمويل، وبالتالي، فإن نجاح إدارة الدين لا يقاس فقط بحجم الاقتراض، لكن بقدرة الدولة على تحسين هيكل هذه المحفظة وخفض كلفتها ومخاطرها على المدى الطويل.
والأرقام الأخيرة توضح أهمية هذا التحول في النظرة إلى المديونية، فقد تراجعت الزيادة السنوية في فوائد القروض الداخلية والخارجية من 396 مليون دينار في عام 2024 إلى 90.9 مليون دينار في 2025، فيما انخفض معدل نمو فاتورة الفوائد من 22.6 % إلى 4.2 %، وهذا لا يعني أن فاتورة الفوائد انخفضت، فهي ارتفعت من نحو 2.15 مليار دينار إلى 2.24 مليار، لكنه يعني أن تسارع نموها جرى كبحه بصورة واضحة.
ويظهر التحسن بصورة أكبر في الدين الداخلي، حيث انخفض معدل نمو فوائده من 21.3 % في 2024 إلى 2.5 % في 2025، وتراجعت الزيادة السنوية من 223.7 مليون دينار إلى 32.4 مليون فقط، وفي الدين الخارجي، انخفض معدل نمو الفوائد من 24.4 % إلى 6.7 %، وتراجعت الزيادة السنوية من 172.3 مليون دينار إلى 58.5 مليون.
هذه النتائج تعطي أساساً عملياً للانتقال إلى إستراتيجية وطنية لإدارة الدين تتجاوز التعامل مع كل استحقاق بصورة منفردة، وتضع مساراً واضحاً للسنوات المقبلة.
أولى ركائز هذه الإستراتيجية هي مواصلة كبح نمو فوائد الدين، من خلال استبدال القروض مرتفعة الكلفة بتمويلات ميسرة وطويلة الأجل كلما توفرت، وتجربة إطفاء سندات يوروبوند بقيمة مليار دولار في حزيران 2025، من خلال حزمة تمويلات ميسرة وفرت على الخزينة، وفق ما أعلنته الحكومة، نحو 40 مليون دولار سنوياً، تقدم نموذجاً لما يمكن أن تحققه الإدارة النشطة لمحفظة الدين.
والركيزة الثانية هي الحد قدر الإمكان من الاقتراض لتمويل النفقات الجارية، لأن الاقتراض الذي لا يرفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد يبقي الحاجة إلى التمويل قائمة في السنوات التالية، وهنا ينبغي أن يرتبط الاقتراض بصورة أكبر بالنفقات الرأسمالية والمشاريع القادرة على توليد عائد اقتصادي مباشر أو غير مباشر.
أما الركيزة الثالثة فهي خفض العجز والحاجة إلى الاقتراض من الأساس. فتحسين شروط التمويل لا يلغي أصل الدين، والقرض الميسر، مهما انخفضت فائدته، يبقى التزاماً مالياً، لذلك فإن إدارة الدين تمثل نصف المعادلة، فيما يتمثل نصفها الآخر في تحسين كفاءة الإنفاق وتعزيز الإيرادات المحلية دون زيادة الأعباء على النشاط الاقتصادي.
ويبقى العامل الحاسم هو النمو، لأن اقتصاد ينمو بمعدلات أعلى ويوسع قاعدة الإنتاج والتصدير والاستثمار يستطيع توليد إيرادات أكبر، وتخفيف عبء الدين تدريجياً قياساً بحجم الاقتصاد.
المطلوب اليوم هو البناء على التحسن الذي تحقق في إدارة كلفة الدين وتحويله إلى إصلاح مؤسسي مستدام، بإطار طويل الأجل يحدد أولويات الاقتراض وكلفه وآجاله ومصادره، ويقلل مخاطر إعادة التمويل، ويربط إدارة المديونية بمسار الإصلاح والنمو.
وعندها يصبح التعامل مع الدين سياسة دولة لا قرار حكومة؛ فالمعيار الحقيقي ليس فقط مقدار ما تقترضه الدولة، وإنما لماذا تقترض، وبأي كلفة، ولأي أجل، وكيف تستخدم هذا التمويل بما يجعل الاقتصاد أكثر قدرة مستقبلاً على تحمل الدين وتقليص الحاجة إليه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية