اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: هل يصمد "المنبوذ الاقتصادي"..؟

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


في الرابع والعشرين من الشهر الماضي أطلقت إدارة ترامب ما أسماه وزير الخزانة، سكوت بيسنت، «عملية المنبوذ الاقتصادي Operation Economic Outcast - وهي حملة اقتصادية شاملة تقودها وزارة الخزانة الأميركية بهدف عزل إيران عن الاقتصاد والقطاع المالي العالميين وقطع مصادر إيراداتها.
 

وتستهدف العملية شبكات تهريب النفط والتحايل على العقوبات والقنوات المصرفية والجهات والشركات التي تمكّن إيران من الوصول إلى النظام المالي الدولي -مع توسيع نطاق العقوبات الثانوية للضغط على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران. والهدف المعلن هو دفع إيران إلى الاختيار بين العزلة الاقتصادية الكاملة أو تمكينها من إعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي مقابل تغيير سلوكها.
ثمة من لا يرون جِدّة في هذه الحملة، ويعتبرونها مجرد إعادة تغليف لنفس العقوبات السابقة وتسويقها كمخرج نهائي من مأزق الحرب. وهناك الذين يصوِّرون الحملة كحلٍّ عبقري جامع مانع ينطوي على حتمية انهيار واستسلام الدولة الإيرانية.  
من بين المُداخلين كانت مجلة «الإيكونوميست» التي يمنحها سلطة الإفتاء في الشؤون الاقتصادية. وقد نشرت المجلة في نفس يوم إطلاق العقوبات، 24 آب (أغسطس)، مقالًا يلخص عنوانه محتواه: «إيران قادرة على تجاوُز التهديدات المالية الأميركية». وأقام محللو المجلة أطروحتهم على مفارقة أساسية: صحيح أن إيران تعاني أزمة اقتصادية خانقة، لكنّ هذا الأزمة لا تبدو كافية وحدها لإجبار النظام على الرضوخ لواشنطن. بل إن انتقال إدارة ترامب من القوة العسكرية إلى «الحرب الاقتصادية» قد يفعل العكس، بحسب المقال، فيدفع طهران إلى مزيد من التشدد والتصعيد. 
لا ترى «الإيكونوميست» في الحملة المالية الجديدة ما يميزها عن سياق الفشل الذي ضرب الأدوات السابقة. عندما أطلقت أميركا عملية «الغضب الملحمي»، فإنها راهنت على أن تؤدي القوة العسكرية إلى إسقاط النظام الإيراني. وعندما لم يتحقق ذلك، انتقلت واشنطن في حزيران (يونيو) من العصا إلى الجزرة، فعرضت على طهران تخفيف العقوبات واستثمارات بمليارات الدولارات مقابل إعادة فتح مضيق هرمز والتخلي عن الطموحات النووية. وحين أخفق هذا المسار أيضًا، تحول الرهان إلى محاولة الخنق الاقتصادي. وقد وصف ترامب الحملة الجديدة بأنها «يوم الإنزال الاقتصادي» - في إحالة إلى عملية إنزال نورماندي (D-Day) في الحرب العالمية الثانية.
مع أن «الإيكونوميست» تميل إلى التقليل من أثر العقوبات، فإنها لا تقلل من حجم الكارثة الاقتصادية التي تعصف إيران. ثمة الريال الذي فقد قرابة نصف قيمته أمام الدولار منذ بداية العام؛ والتضخم الذي بلغ نحو 88 في المائة على أساس سنوي؛ وقد ارتفعت البطالة رسميًا إلى 9.1 في المائة؛ بينما أدت الضربات الأميركية إلى تدمير أجزاء كبيرة من الصناعة وتعطل المصافي ونقص الوقود. كما انخفضت صادرات النفط التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة إلى مستويات متدنية مع إغلاق مضيق هرمز. وتستخدم الحكومة طباعة النقود لتمويل قسائم الغذاء. وبحسب الصورة التي ترسمها المجلة، ليست إيران اقتصادًا صامدًا أمام العقوبات بقدر ما هي اقتصاد منهك تعلّم كيف يعيش تحت وطأة العقوبات. 
ربما هناك تكمن الفكرة: إن ما تواجهه الولايات المتحدة ليس اقتصادًا طبيعيًا عاملًا يمكن مفاجأته وخنقه بإطباقة سريعة. وفي الحالة الإيرانية، كما تتفق المجلة مع مراقبين آخرين، بنت طهران خلال عقود من العقوبات شبكات معقدة وغير رسمية للتجارة والتمويل تساعدها على الالتفاف على القيود. وتشير المجلة إلى الصين والإمارات باعتبارهما العقدتين الأكثر أهمية، حيث تشتري الصين نحو 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، بينما كانت الإمارات مصدرًا لنحو 30 في المائة من واردات إيران، بالإضافة إلى دورها في شبكات الصرافة والتمويل الموازي. لكن واشنطن تواجه، بحسب المجلة، معضلة حقيقية، ربما يتسبب الضغط الأقصى على الشركات الصينية في تحويل القضية من «ملف إيراني» إلى مواجهة أميركية-صينية أوسع؛ وهو ما قد لا يرغب ترامب في اختباره. 
بحسب المقال، يدرك النظام الإيراني تمامًا عمق أزمته. وقد أقر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بأن إيران لن تستطيع الاستمرار من دون نمو اقتصادي، بينما دعا الرئيس مسعود بزشكيان إلى العودة إلى «مذكرة التفاهم» التي عُرضت في حزيران (يونيو)، وتضمنت مسارًا لإنهاء الحرب وإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي. لكن الاعتراف بالأزمة والقبول بالإملاءات الأميركية ليسا الشيء نفسه. وبحسب المجلة، يفصل النظام بين الحاجة إلى إنقاذ الاقتصاد والحاجة إلى الحفاظ على استقلال قراره السياسي والإستراتيجي. 
في المُجمل، تشكك «الإيكونوميست» في وجاهة افتراض أميركا أن مضاعفة الألم الاقتصادي ستؤدي تلقائيًا إلى سقوط النظام. ربما تتجدد الاحتجاجات بسبب المعاناة، لكن السلطات قمعت موجة الاحتجاجات السابقة بعنف شديد، وهي مستعدة كما يبدو لتحمل كلفة اجتماعية واقتصادية هائلة للحفاظ على بقائها. وبذلك، ربما تُضعف العقوبات المجتمع والاقتصاد -ولكن من دون أن تنتج النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن.
بحسب المجلة، تتعدى العقوبات كونها أداة اقتصادية لتكون أداة سياسية لا تعمل إلا إذا كان الألم الذي تنتجه أكبر من قدرة الخصم على الاحتمال- أو إذا توفر لديه مخرج سياسي مقبول. وقد عرضت إيران طوال عقود قدرة استثنائية على التكيف مع الضغط والحرمان. وبدلًا من أن يجعلها تصعيد العقوبات أكثر استعدادًا للتنازل، فإنه ربما يجعلها أكثر استعدادًا لتسليح أدوات الضغط المقابلة: مضيق هرمز؛ والقواعد الأميركية؛ ومنشآت الطاقة، والعلاقات مع دول الجوار.
وفق هذا الفهم، تبدو أطروحة «الإيكونوميست» أقرب إلى تحذير منها إلى نبوءة: قد تكون محاولة واشنطن خنق الاقتصاد الإيراني وسيلة لتجنب جولة عسكرية جديدة، لكنها قد تتحول إلى سبب لبدء جولة عسكرية جديدة. وإذا خلصت طهران إلى قناعة بأن السبل العسكرية فشلت وأن واشنطن انتقلت إلى العقوبات بسبب عجزها عن تحقيق أهدافها بالقوة، فإن ذلك قد يغري إيران بالرد أكثر من كبحها عنه. وتستشهد المجلة بسابقة لبيسنت نفسه.
في نيسان (أبريل)، توقع الوزير أن يؤدي حصار هرمز إلى تدمير سريع لصناعة النفط الإيرانية - وهو ما لم يحدث. وبذلك لا يمكن الخطر الحقيقي، وفق منطق المقال، في إيران غير متضررة. إنه يكمن في أن تكون متضررة بشدة- وإنما من دون أن تصبح جاهزة للإخضاع. 
لا يزعم مقال «الإيكونوميست» أن إيران تستطيع تجاوز العقوبات بلا تكلفة، ويريد، كما يبدو، أن يقول شيئًا أكثر دقة: ثمة فجوة إستراتيجية كبيرة بين «العقاب» و»الإكراه». تستطيع العقوبات إلحاق ألم بالغ بإيران– وبكلفة اقتصادية واجتماعية هائلة. لكنّ الألم لن يجبرها بالضرورة على تبديل خياراتها نحو الخضوع. لن يتحول «العقاب» الاقتصادي تلقائيًا إلى «إكراه» سياسي. وكلما رفعت إدارة ترامب سقف الضغوط، فإنها تغامر بتوسيع الفجوة بين قدرتها على إيذاء طهران والقدرة على انتزاع تنازلات يُعتد بها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية