اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: البيانات وتكوين الرأي.. إعادة الاعتبار للعقل

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


مؤخرا، كنت أخوض نقاشا مع عدد من الأشخاص حول الواقع الزراعي في الأردن، وارتباطه الوثيق بتحديات المياه. المناقشون ظهرت تحفظاتهم بوضوح من طريقة إدارة الدولة للملف الزراعي، لكن الغريب أنهم لم يمتلكوا أي بيانات أساسية عن الواقع الزراعي أو المائي تعزز آراءهم.
 

فمثلا؛ لم يعرفوا ما هي نسبة الأراضي الصالحة للزراعة من المساحة الإجمالية للمملكة، ولا نسبة ما هو مستغل فعليا منها. كما أنهم دافعوا بشدة عن فكرة «استصلاح الصحراء»، لكنهم لم يعرفوا الفرق بين البادية والصحراء، ولا نسبة الأراضي القابلة للاستصلاح، وتلك التي لا يمكن النجاح معها، إضافة إلى الجهل بمتطلبات الإصلاح وكلفه.
امتلاك فكرة غير مجربة من قبل شخص ما، يمكن أن يكون أمرا جيدا، لكن الدفع بأنها قابلة للنجاح مسألة تحتاج إلى إثبات، وإلى نموذج أولي ناجح، على أقل تقدير، لكي يجري تعميمه لاحقا.
هذا النوع من النقاش لا ينحصر في القطاع الزراعي، فنقاشات عقيمة مثل هذه «تزدهر» لتطال جميع الملفات التي تؤثر علينا، فالجميع يتصدى للخوض بها من دون أن يتزود بأي بيانات تساعده بتكوين رأي واضح، وليس رأيا «أيديولوجيا» قائما على القطيعة مع كل ما يتصل بالدولة من ملفات.
في جزء منه، يبدو هذا النوع من النقاش تعطيلا لعمل العقل، وتحقيرا للمنهجية التي لا يمكن أن تستقيم من دون بيانات وأرقام ومعطيات يتم  تحويلها إلى رأي. مقاومة عمل العقل، والقفز عن المنهجية، هما لا شك «ماركة عربية مسجلة»، فنحن غالبا ما نكون الرأي، ثم نبدأ بالبحث عن أي شيء يمكن أن يعزز قناعتنا، ما يجعلنا نقبع في الدرك الأسفل في مسارات التفكير العلمي والنقدي.
المشكلة أيضا، تتجلى في الطريقة التي نبني بها المعرفة ذاتها، فالعلم يبدأ بالسؤال، ثم بجمع المعطيات التي تساعد على الإجابة عنه، واختبار الفرضيات الممكنة، قبل الوصول إلى استنتاج يمكن الدفاع عنه. وحين نعكس هذه العملية، لنبدأ بالنتيجة ثم نبحث عما يؤيدها، نكون غادرنا التفكير العلمي، حتى لو استخدمنا في نقاشنا لغة تبدو علمية.
البيانات هي المادة الخام التي ينبغي أن يشتغل عليها العقل، وبدونها يصعب التمييز بين ما نعتقد أنه صحيح وما نستطيع إثبات أنه صحيح. قد يكون انطباعنا منطقيا، وربما يكون صحيحا بالمصادفة، لكنه يظل انطباعا إلى أن نضعه أمام الوقائع ونختبر قدرته على الصمود.
غياب البيانات يفتح المجال أمام ما يسميه علماء النفس «الانحياز التأكيدي»، أي ميل الإنسان للبحث عن المعلومات التي تؤيد موقفه السابق، وإهمال المعلومات التي تناقضه. وحين تكون لدينا قناعة مسبقة بأن قطاعا ما فاشل، أو أن مؤسسة ما لا تعمل، فإننا نلتقط كل حادثة تؤكد هذه القناعة، بينما نتجاهل الوقائع التي قد تقدم صورة مختلفة أو أكثر تعقيدا.
الأرقام والبيانات لا تلغي الاختلاف، ولا تمنع النقد، لكنها تضع حدودا لما يمكن ادعاؤه. يمكن أن نختلف في تفسير رقم البطالة، مثلا، وفي أسباب ارتفاعها، وفي السياسات المطلوبة لمعالجتها، لكن لا يمكن أن يكون لكل واحد منا «رقم بطالة» خاص به. والأمر نفسه ينطبق على المياه والزراعة والطاقة والفقر والمديونية والنمو وغيرها. 
من الجيد أن كثيرا من البيانات العامة متاحة ومحدثة وقابلة للتحليل، وهي جزء من بناء الثقة، وليست مجرد التزام إداري. ويمكن التأكيد على أن البيانات لا تحمي الحكومة من النقد، وإنما تحمي النقد نفسه من التحول إلى ادعاء، وتحمي النقاش العام من أن يصبح مباراة في رفع الأصوات.
التفكير النقدي الذي نطالب بإدخاله إلى مدارسنا وجامعاتنا يبدأ من أن يتعلم الطالب أهمية البيانات في بناء منهجيته الخاصة لتكوين الرأي، وأن يكون الدليل جزءا طبيعيا من الحوار، لا تعبيرا عن التشكيك، وأن يتعلم أن تغيير رأيه عندما تظهر بيانات جديدة لا يمثل هزيمة، وإنما هو دليل على نضج العقل.
المطالبة بأن يكون لديك بيانات وأرقام للدخول في أي نقاش جاد، هو أمر حيوي للاستفادة من النقاش، لكي لا يكون أشبه بـ»جلسات القهاوي» التي لا طائل منها سوى تمضية الوقت من أجل انتهاء «الشيشة».

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية