اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

النعسان يكتب: حرب صغيرة.. لمن؟

{title}
أخبار الأردن -

 

فراس النعسان


وصف دونالد ترامب الحرب مع إيران بأنها (صغيرة) بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ربما تبدو كذلك من بعيد، من واشنطن. لكنها لا تبدو صغيرة من الخليج، ولا من الأردن، ولا من سفن تنتظر عبور مضيق هرمز، ولا من اقتصاد إقليمي يعيش منذ أشهر على حافة القلق.
 

في الرابع من سبتمبر، حاول الرئيس الأميركي تخفيف وقع المواجهة، فقال إن ما يجري ليس حربا، وإن الضربات أصبحت متقطعة، وإن الخسائر الأميركية محدودة مقارنة بحروب سابقة. لكنه في الوقت نفسه أبقى باب الضربات الجديدة مفتوحًا، مؤكدًا أن إيران لن تحصل على سلاح نووي.
هنا تكمن مفارقة المرحلة الجديدة، فواشنطن تتحدث عن حرب محدودة، بينما المنطقة تعيش تداعيات حرب مفتوحة الاحتمالات.
ففي الأيام الأخيرة عادت الضربات الأميركية والإيرانية بعد فترة من الهدوء النسبي. الولايات المتحدة استهدفت دفاعات ومنشآت وقدرات بحرية إيرانية، وردت طهران باستهداف مواقع مرتبطة بالقوات الأميركية في المنطقة. ووصلت التداعيات إلى الأردن والإمارات والكويت، فيما بقي مضيق هرمز في قلب المواجهة.
واليوم، تبدو الرسالة أكثر وضوحا. فقد تحدثت تقارير عن إصابة ناقلة نفط إيرانية قرب جزيرة خارك، أحد أهم مراكز تصدير النفط الإيراني، بعد أن كان ترامب قد هدد باستهداف الجزيرة.
كل ذلك يقود إلى السؤال الذي يتجاوز تفاصيل المعارك: هل وصلت الحرب فعلًا إلى حالة الجمود؟
الجواب يبدو أقرب إلى نعم، ولكنها ليست حالة جمود مريحة. فإيران تتعرض لضغط عسكري واقتصادي هائل، وتراجعت قدرتها على تصدير النفط، فيما تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب العقوبات والحصار. وفي المقابل، لم تستطع الولايات المتحدة وإسرائيل تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية تنهي المواجهة. ولهذا يصبح الجمود نفسه إستراتيجية مؤقتة: لا أحد يريد أن يتراجع، ولا أحد يعرف كيف ينتصر.
الأخطر أن ثمن هذا الجمود لا يدفعه الأميركيون والإيرانيون وحدهم.. الخليج هو المساحة الأكثر تعرضًا للخطر. فكلما طال اضطراب هرمز، ارتفعت كلفة النقل والتأمين والطاقة، وتأثرت حركة التجارة والطيران والسياحة. وتشير البيانات الأخيرة إلى أن حركة السفن التجارية عبر المضيق ما تزال أدنى بكثير من مستوياتها الطبيعية، بينما تبقى المخاطر البحرية مرتفعة.
أما الأردن، فلا يستطيع أن ينظر إلى هذه المواجهة باعتبارها حربًا بعيدة. فالمملكة تقع في قلب الجغرافيا التي تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية، وقد تعرض مجالها الجوي ومواقع مرتبطة بالوجود الأميركي لتداعيات الصراع. وفي الوقت نفسه، تبرز العقبة كنافذة اقتصادية ولوجستية يمكن أن تكتسب أهمية أكبر إذا استمرت اضطرابات الملاحة في الخليج.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأردنية، فالأردن لا يستطيع التحكم في الحرب، لكنه يستطيع أن يستعد لما بعدها.
فالمرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة انتصار طرف على آخر، بل مرحلة إعادة تشكيل للمنطقة. طرق التجارة قد تتغير، وممرات الطاقة قد يعاد تقييمها، والتحالفات الأمنية قد تأخذ شكلًا جديدًا، فيما ستبحث الدول الخليجية عن قدر أكبر من الاستقلال في حماية مصالحها.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: هل الحرب (صغيرة) كما يقول ترامب؟
السؤال الأهم هو: كم ستكبر تداعياتها إذا بقيت بلا نهاية؟

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية