اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدعجة يكتب: الضفة في مواجهة الضم: الأردن سند للصمود الفلسطيني

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


تشهد الضفة الغربية المحتلة واحدة من أخطر المراحل منذ عقود، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، واتساع الاعتقالات والاقتحامات، وتسارع الاستيطان ومصادرة الأراضي، بالتزامن مع تزايد اعتداءات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية. ولم تعد هذه الممارسات حوادث أمنية منفصلة، بل تبدو جزءاً من سياسة منظمة لإعادة تشكيل جغرافية الضفة، وتقطيع أوصالها، وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.
 

تتوزع الضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون بين الاقتحامات العسكرية، وعمليات القتل والاعتقال، وهدم المنازل، وإغلاق الطرق، وتوسيع الحواجز، وحرمان السكان من الوصول إلى أراضيهم ومصادر المياه. كما ازدادت خطورة اعتداءات المستوطنين، التي تشمل مهاجمة المنازل، وإحراق المركبات والمحاصيل، واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الأراضي وإجبار التجمعات الريفية والبدوية على الرحيل.
منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، شهدت الضفة الغربية المحتلة موجة غير مسبوقة من النزوح القسري. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو43 ألف فلسطيني، بينهم قرابة 12 ألف طفل، ما زالوا نازحين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية الواسعة، ولا سيما منذ كانون الثاني (يناير) 2025. كما نزح أكثر من 8600 فلسطيني، بينهم أكثر من 3700 طفل، بسبب هدم المنازل أو إجبار أصحابها على هدمها، خصوصاً في القدس الشرقية والمنطقة المصنفة «ج».
وإلى جانب ذلك، أدى عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي ومصادر المياه إلى تهجير آلاف آخرين؛ إذ سُجل نزوح نحو 2300 فلسطيني خلال النصف الأول من عام 2026 وحده لهذا السبب. وباحتساب هذه الفئات، فإن العدد الإجمالي التقديري للفلسطينيين الذين تعرضوا للنزوح أو التهجير في الضفة منذ 7 أكتوبر 2023 يتجاوز 43 ألف شخص. 
وفي موازاة ذلك، تصاعدت اعتداءات المستوطنين بصورة قياسية؛ فقد وثقت الأمم المتحدة نحو 1768 اعتداءً بين 7 أكتوبر 2023 ومنتصف ديسمبر 2024، ونحو 1800 اعتداء خلال عام 2025، وأكثر من 1400 اعتداء منذ بداية عام 2026 حتى نهاية أغسطس. وبذلك تقترب الحصيلة التراكمية من خمسة آلاف اعتداء للمستوطنين منذ 7 أكتوبر 2023، بمعدل يقارب خمسة اعتداءات يومياً. وشملت الاعتداءات قتل الفلسطينيين وإصابتهم، وإحراق المنازل والمركبات، واقتلاع الأشجار، وتخريب الممتلكات ومصادر المياه، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، في مؤشر واضح على استخدام العنف الاستيطاني أداةً للضغط على السكان ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم.
وعلى مستوى الخسائر البشرية، تشير أحدث البيانات الأممية المتاحة إلى استشهاد ما لا يقل عن 1125 فلسطينياً في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، منذ 7 أكتوبر 2023 حتى نهاية أغسطس 2026، بينهم أكثر من 240 طفلاً، نتيجة اعتداءات القوات الإسرائيلية والمستوطنين. كما أصيب أو جُرح أكثر من 11,800 فلسطيني خلال الفترة نفسها وخلال عام 2026 وحده، سجلت الأمم المتحدة حتى 24 أغسطس استشهاد 79 فلسطينياً، بينهم 19 طفلاً، وإصابة نحو 1870 آخرين، بينهم أكثر من 1040 أصيبوا في سياق اعتداءات المستوطنين. 
أما حملات الاعتقال، فقد تجاوزت 25 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، منذ 7 أكتوبر 2023 حتى مطلع أغسطس 2026. وهذا الرقم يمثل مجموع حالات الاعتقال، وليس عدد الأسرى الذين ما زالوا محتجزين؛ إذ أُفرج عن عدد كبير منهم بعد التحقيق أو انتهاء مدد محكومياتهم. أما عدد الأسرى الفلسطينيين الموجودين فعلياً في السجون الإسرائيلية، من مختلف الأراضي الفلسطينية، فقد تجاوز 9400 أسير ومعتقل، بينهم نحو 370 طفلاً و92 أسيرة، إضافة إلى 3198 معتقلاً إدارياً محتجزين من دون توجيه تهم أو محاكمات، و1358 معتقلاً من قطاع غزة تصنفهم إسرائيل ضمن ما يسمى «المقاتلون غير الشرعيين». إحصاءات الأسرى حتى مطلع أغسطس 2026
ويتزامن ذلك مع استمرار احتجاز جثامين الشهداء؛ فقد وثقت المؤسسات الفلسطينية احتجاز إسرائيل جثامين 799 شهيداً فلسطينياً معروفي الهوية، بينهم 81 طفلاً و10 نساء و99 أسيراً استشهدوا في المعتقلات، إضافة إلى 256 جثماناً مدفوناً في «مقابر الأرقام». غير أن هذا الرقم يشمل الجثامين الفلسطينية المحتجزة من الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى امتداد فترات مختلفة، وليس ضحايا الضفة منذ 7 أكتوبر وحدهم. وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن العدد الفعلي قد يبلغ نحو 1700 جثمان، غالبيتها تعود إلى شهداء من قطاع غزة، ما يعني أن الحصيلة النهائية لا تزال غير مكتملة.
تكمن خطورة ما يحدث في أن التوسع الاستيطاني لم يعد مجرد بناء وحدات سكنية جديدة، بل أصبح مشروعاً متكاملاً لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية بصورة تدريجية. فإقامة المستوطنات والبؤر الرعوية وشق الطرق الالتفافية ونقل الصلاحيات الإدارية والقانونية إلى مؤسسات إسرائيلية تؤدي مجتمعة إلى إنشاء واقع الضم، حتى من دون إعلان رسمي عنه.
ويمثل مخطط الاستيطان في منطقة «E1» شرق القدس أحد أخطر حلقات هذا المشروع؛ لأنه يهدد بفصل شمال الضفة عن جنوبها، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، وإنهاء التواصل الجغرافي الضروري لإقامة الدولة الفلسطينية. كما أن بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة يهدف إلى تحويل التجمعات الفلسطينية إلى جزر منفصلة تحاصرها المستوطنات والحواجز العسكرية.
بالنسبة إلى الأردن، لا تمثل الضفة الغربية ملفاً خارجياً تقليدياً، وإنما قضية ترتبط مباشرة بالأمن الوطني الأردني وبالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وبمستقبل المنطقة. ولهذا حافظ الموقف الأردني، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، على ثوابت واضحة: رفض الضم والتهجير والاستيطان، والتمسك بحل الدولتين، ودعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وقد حذر الملك عبدالله الثاني مراراً من أن تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية لن يؤدي إلى إنهاء الصراع، بل سيعمق عدم الاستقرار الإقليمي. ويؤكد الأردن أن التهجير، سواء جرى بالقوة العسكرية المباشرة أو من خلال خلق ظروف معيشية وأمنية طاردة، مرفوض رفضاً قاطعاً، وأن الحل لا يكون على حساب الأردن أو الشعب الفلسطيني.
هذا الموقف ليس دفاعاً عن المصالح الأردنية فحسب، بل هو دفاع عن حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم؛ إذ إن أخطر ما تسعى إليه السياسات الإسرائيلية الحالية هو نقل القضية من قضية شعب يطالب بالتحرر وإقامة دولته إلى قضية سكان يبحثون عن مكان بديل للعيش.
تقود الدبلوماسية الأردنية تحركاً متواصلاً في الأمم المتحدة والعواصم المؤثرة لوقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية. وقد أدانت وزارة الخارجية الأردنية الموافقة على بناء 2162 وحدة استيطانية جديدة، معتبرة ذلك خرقاً فاضحاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. كما أدانت تصاعد اعتداءات المستوطنين وإحراق المنازل والأراضي والمركبات واقتلاع الأشجار، وطالبت المجتمع الدولي بمحاسبة المسؤولين عنها.
ويعمل الأردن كذلك على حشد موقف عربي وإسلامي ودولي يرفض تغيير الوضع القانوني والتاريخي للأراضي المحتلة. وتستند تحركاته إلى قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يؤكد عدم شرعية المستوطنات، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية الاحتلال وسياسات الضم والاستيطان.
تمثل القدس جوهر الموقف الأردني، نظراً إلى الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها. ويواصل الأردن التصدي لمحاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف، ويرفض الاقتحامات التي ينفذها الوزراء الإسرائيليون المتطرفون والمستوطنون تحت حماية شرطة الاحتلال.
ولا تنفصل حماية القدس عن مساندة الضفة؛ لأن عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني يمثل جزءاً أساسياً من مشروع تفكيك وحدة الأرض الفلسطينية. ولذلك يؤكد الأردن أن المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونماً مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن إدارة أوقاف القدس الأردنية هي الجهة صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة شؤونه.
إلى جانب التحرك السياسي، يواصل الأردن تقديم الدعم الإنساني والطبي للفلسطينيين عبر الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية والقنوات الرسمية والأهلية. وتشمل الجهود توفير الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية، ودعم المؤسسات الصحية، والتعاون مع المنظمات الدولية لإيصال المساعدات إلى التجمعات الأكثر تضرراً في الضفة والقدس.
كما يشكل استمرار دعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» أولوية أردنية، لما تؤديه من دور حيوي في تقديم التعليم والصحة والإغاثة للاجئين. وتزداد أهمية هذا الدعم مع إعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص عدد المستفيدين من مساعداته في الضفة من 400 ألف إلى 200 ألف شخص بسبب نقص التمويل، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر الفلسطينية تراجعاً كبيراً في الدخل. 
إن مساندة الأردن للأشقاء في الضفة الغربية ليست استجابة ظرفية للأحداث، بل موقف إستراتيجي ثابت يجمع بين الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية وحماية القدس ورفض التهجير. ويدرك الأردن أن ترك الضفة لمخططات الضم سيقضي على حل الدولتين ويدفع المنطقة نحو صراع مفتوح.
لذلك تبقى الأولوية الأردنية تثبيت الفلسطينيين على أرضهم، وحماية مؤسساتهم الوطنية، ووقف الاستيطان وعنف المستوطنين، وتحويل الإدانات الدولية إلى إجراءات عملية. فالسلام لن يتحقق بتوسيع الاحتلال أو تهجير السكان، وإنما بإنهائه وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه المشروع في الحرية والاستقلال وإقامة دولته على ترابه الوطني.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية