اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب: مراجعة فتوى نقل الأعضاء.. الكرامة الإنسانية ليست خانة إلكترونية

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي

في زمن التحول الرقمي أصبحت كثير من القرارات الإنسانية تختزل في خانة إلكترونية وضغطة زر، غير أن بعض القضايا لا تحتمل أن تفهم بمنطق الإجراءات الإدارية وحدها، لأنها تتصل بجوهر الإنسان وكرامته وحرمته، ومن ذلك مسألة نقل الأعضاء بعد الوفاة.
 

فالمنهج الأصولي يبدأ بتقرير الأصل وبالتكييف الفقهي، قبل الحديث عن نقل الأعضاء، فالأصل في الإنسان التكريم والصيانة حياً وميتاً، قال تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كسر عظم الميت ككسره حيًا»، فالموت لا يسقط حرمة الإنسان، أو يجعله مباح التصرف فيه.
ومن هنا فإن من المهم التمييز بين التبرع والتمليك من جهة، وبين الإذن بالانتفاع من جهة أخرى، فالتبرع في أصله تصرف يقوم على ثبوت ملك، أو حق قابل للتصرف، أما الإذن بالانتفاع فلا يستلزم الملكية بالضرورة، فقد يأذن الوكيل في الانتفاع بمال موكله مع أنه لا يملكه، وقد يتصرف الولي في مال الصبي لمصلحته مع بقاء الملك للصغير.
وعليه فإذا كان بدن الإنسان ليس مملوكاً له ملكية التصرف المطلق، فالأدق فقهياً أن لا نطلق على هذه العملية مسمى» التبرع بالأعضاء»، وإنما «الإذن بالانتفاع بالأعضاء بعد الوفاة»، لأن هذا التعبير أقرب إلى طبيعة المسألة، وتكييفها الفقهي. 
ثم إن القول بجواز نقل العضو عند تحقق الضرورة، أو الحاجة العلاجية المعتبرة، لا يعني سقوط أصل الحرمة، وإنما يعني ورود استثناء لمصلحة معتبرة، والاستثناء لا يتحول إلى أصل، ولا يتوسع فيه، بل يقدر بما تقتضيه الحاجة والضرورة.
ومن هنا فإن القول بأن للورثة الإذن بنقل أعضاء الميت عند عدم وجود وصية، كما ورد في فتوى دائرة الإفتاء يحتاج إلى إعادة نظر، بل ومراجعة أصولية دقيقة، إذ إن نقل عضو الميت -على القول بجوازه- هو استثناء من الأصل، ومن ثم فإن إثبات ولاية الورثة في حال لم يوص الإنسان قبل وفاته، يحتاج إلى دليل مستقل، فهذا توسع غير مقر شرعاً، لأن الورثة يرثون مال الميت وحقوقه المالية، ولا يرثون جسده، فجسد الإنسان ليس من التركة، ولا ينتقل إلى ملكية الورثة، والقرابة سبب للإرث، لكنها ليست بذاتها سبباً لامتلاك بدن الميت، أو إسقاط حرمته، والولاية حكم شرعي، لا تثبت بمجرد القرابة، ما لم يدل عليها الشرع، أو تقتضيها قاعدة معتبرة. 
وهنا لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مفاضلة سطحية بين «إنقاذ حياة المريض» و «حرمة الميت»، فكلاهما داخل في المقاصد الشرعية، فحفظ النفس مقصد عظيم، كما أن حفظ الكرامة الإنسانية وحرية الإرادة مقصد معتبر أيضاً، والمقاصد لا تعمل بمنطق إلغاء مقصد لمصلحة مقصد آخر، وإنما بالموازنة والترتيب، وتحديد محل الاستثناء وحدوده.
وهنا ثار إشكال آخر في تحويل المسألة إلى خانة إلكترونية بعنوان «التبرع بالأعضاء» حيث يحتاج هذا العمل إلى مراجعة مفاهيمية وأخلاقية، لأن الخانة توحي بأن الإنسان يملك أعضاءه ملكية مطلقة، يحق له التصرف بها كيف يشاء، وهذا يفتح مجالاً للحديث عن بيع هذه الأعضاء، والاتجار بها، باعتبارها ملكاً مطلقاً لصاحبها، ومن هنا من «باب سد الذرائع»، ينبغي أن تكون الخانة تحت عنوان: «الإذن بالانتفاع بالأعضاء بعد الوفاة» في نطاق استثنائي صارم، بمعنى أن لا يفتح الباب بهذه الطريقة على مصراعيه، وأن يكون في نطاق ضيق، وبما يحقق مقصداً معتبراً، ولا يجوز أن يتحول هذا الاستثناء إلى قاعدة عامة، ولا يقدم بصورة إجراء اعتيادي، يوحي بالتعامل مع جسد الإنسان بعد موته أنه من قبيل التصرفات الشخصية المعتادة.
والأخطر من ذلك، ما الذي يضمن أن من سجل الموافقة هو صاحب العلاقة نفسه؟، وأن إرادته كانت حرة واعية، وأنها لم تسجل تحت تأثير أو إكراه أو غفلة؟ إن تحول إرادة تتعلق بحرمة الإنسان إلى مجرد اختيار إلكتروني، قد يعرضها للالتباس أو الاستغلال أو التعدي، ولذلك فإنه ينبغي وضع آلية أكثر احتياطاً وتوثيقاً من مجرد خانة إلكترونية، كأننا نتعامل مع قرار مالي أو خدمة إدارية، فالمطلوب التشدد في إثبات الإرادة، لا التوسع في افتراضها، فالإنسان ليس مالاً، وجسده ليس من جملة التركة، وكرامته ليست خانة إلكترونية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية