غرايبة يكتب: رأس المال البشري في الأردن: تقدم مفترض في التعليم والتكنولوجيا وتراجع اقتصادي وتنموي
إبراهيم_غرايبة
يفترض أن يؤدي التقدم في التعليم والتكنولوجيا إلى تقدم اقتصادي وتنموي، فالعلم والتكنولوجيا كانا على الدوام أساسا لتحسين الحياة والأسواق والأعمال وتطوير المجتمعات والمدن والدول. لماذا نشهد في بلادنا تراجعا اقتصاديا وتنمويا برغم التقدم المفترض لدينا وحولنا في التعليم والتكنولوجيا؟ لماذا لم تحسن التكنولوجيا المستخدمة على نطاق واسع في حياتنا وفرصنا وأعمالنا؟ لماذا نشهد تراجعا اجتماعيا خطيرا في السلوك والحياة اليومية برغم انتشار وتطور التعليم والمدارس والجامعات؟ لماذا نشهد حالة غير مسبوقة من عدم الثقة وضعف الإتقان في الأعمال والمؤسسات العامة والتجارية؟ لماذا نمضي عكس التاريخ؟
ساهمت الحوسبة في جميع دول العالم في تخفيض كلفة الأعمال والمؤسسات وتطوير التعليم والتدريب والتواصل الاجتماعي، إذ في مقدورنا اليوم أن نحصل على أفضل مستويات التعليم بتكاليف منخفضة، لماذا لم يحوسب التعليم في المدارس والجامعات على النحو الذي يتيح لجميع الطلاب فرص التعلم وبمستويات متقدمة وتكاليف منخفضة؟ لماذا لم تنشئ منصات تعليمية واسعة بديلة أو مشاركة للمدارس؟ لماذا لم تتطور قدرات الأسر والمعلمين والمشرفين لتحسين التعليم ورفع مستوياته؟ ويمكن بالحوسبة تطوير الخدمات الحكومية وتفعيلها مع خفض التكاليف. لماذا لم تنشأ خدمات الكترونية واسعة لتسهيل أعمال ومعاملات المواطنين وتقليل الكلفة على الخزينة؟ ويمكن أن تطور أنظمة التشبيك بتكلفة منخفضة في تحسين العطاءات وشراء وتنظيم الادوية واللوازم حسب الحاجة والاستهلاك. لماذا لم يحدث ذلك؟ ويمكن تطوير وتفعيل أنظمة التأمين الصحي والخدمات الأساسية والاجتماعية بتكلفة أقل وفاعلية كبيرة. لماذا لم يحدث ذلك؟ لماذا لم تنخفض النفقات العامة والشخصية بسبب التكنولوجيا؟ لماذا لم يحسن التعليم أعمال الناس ومواردهم ومهنهم وحرفهم؟ لماذا لم ينشئ التدفق الهائل في المعلومات والمعرفة زيادة في الخبرات والأعمال السياسية والاجتماعية على النحو الذي يطور العمل العام والانتخابات ويدفع إلى القيادة السياسية أفضل الكفاءات؟ لماذا لم تنشئ الشبكية التكنولوجية شبكية اجتماعية وسياسية وثقافية تمكن المواطنين من التواصل والعمل معا لأجل زيادة كفاءة الأعمال والمشاركة والرقابة على المؤسسات والأسواق، وتقييم النواب والبلديات والنقابات، وحماية المستهلكين، وتطوير وتفعيل الجودة والمواصفات في الأعمال والخدمات والسلع؟ لماذا ننفق على التعليم معظم مواردنا العامة والخاصة ولا نحصل على نتائج أفضل من عدم التعليم. بل العكس فربما لو أغلقت المدارس والجامعات يقل الإنفاق وتتجه الأعمال والأسواق وجهات معبرة عن الاحتياجات الحقيقية والاحساس الصائب بما نحتاجه وما لا نحتاجه!
ربما تكون البداية وهذا مجرد اقتراح في العودة إلى المدن والمجتمعات ليكون في مقدور الناس جميعهم التفكير معا والاستماع لبعضهم البعض وتطوير الحكم والإدارة المحلية والعمل الاجتماعي ومضاعفة مواردها لتعمل على النحو الذي يمكن المجتمعات من إدارة وتنظيم الخدمات والمرافق الأساسية في الغذاء والسكن والتعليم والصحة والتكافل الاجتماعي والثقافة والفنون والرياضة وتنظيم وتخطيط المدن والأحياء.
في التفكير حول التحولات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لـ "الموجة الثالثة" أو "المعلوماتية" ثمة قاعدتان بديهيتان تعملان؛ أولاهما أن التقنية تغير جوهريا في الأعمال والموارد، وبطبيعة الحال فإن المؤسسات تميل إلى الاستغناء أو التقليل من العمالة البشرية كلما أمكن للتقنية أن تؤدي ما يعمله البشر؛ ولا مجال لمواجهة هذه القاعدة إلا بقدر ما يمكن التصدي للمنخفضات الجوية ومحاولة إيقافها، والقاعدة الثانية أن أعمالا جديدة تنشأ في ظل التقنية الجديدة، وفي ذلك فإن الأمم (الدول والمجتمعات والأسواق والأفراد) تعيد تشكيل ومراجعة مؤسساتها ومواردها باتجاه التحول للأعمال الجديدة، ومن البديهي أيضا أن التعليم هو المدخل الأساسي والرئيسي لاستيعاب هذه التحولات وبناء المعارف والمهارات الجديدة اللازمة للأسواق والأعمال الناشئة.
لقد نشأت المؤسسات التعليمية القائمة اليوم في الموجة الثانية أو الثورة الصناعية وهي تعكس المؤسسات والأعمال والأسواق التي تشكلت حول الصناعة في موجتها الثانية منذ القرن الثامن عشر، ويمكن ببساطة الملاحظة كيف أن الجامعات أنشأتها ثلاث مؤسسات أو روايات؛ أولاها المؤسسة الدينية، وثانيها النقابات المهنية والشركات الصناعية والتجارية والتي أنشأت تخصصات المهن والأعمال مثل الطب والهندسة والمحاماة والمحاسبة،… وثالثها: الأرستقراطية التي طورت تخصصات الفنون والآداب والفلسفة، وكان واضحا بالطبع كيف تطورت وتفوقت العلوم البحتة والتكنولوجية، وتراجعت وتهمشت الدراسات الإنسانية والاجتماعية كما الفلسفة والآداب والفنون. ونواجه اليوم (كما العالم أيضا) تحديا أساسيا وخطيرا في تشكيل المؤسسات والاتجاهات التعليمية وفق تحديات وفرص المرحلة الجديدة في التقنية والأسواق والمؤسسات، وهي أن العمليات التعليمية التي تقودها الاتجاهات العلمية البحتة والتطبيقية تواجه سؤالا استراتيجيا عن معناها وجدواها، بل وتتجه إلى الأفول والتحول الجوهري، وتجرّ معها قاطرة التعليم إلى الخواء واللاجدوى! والتحدي الآخر هو أننا لم نتبين بعد آفاق المرحلة الجديدة، ولا نملك في واقع الحال للاستعداد لها واستيعابها سوى تطوير المهارات الإنسانية والمعرفية العامة، مثل الإبداع والتفكير النقدي والحرّ والفلسفة والفنون والآداب، وهي تخصصات ومعارف ضمرت كثيرا في بلادنا، بل وفقدت جمهورها وقواعدها الاجتماعية، والأسوأ من ذلك أن العمليات السريعة التي تجري اليوم لدعم الثقافة والفنون تزيدها خواء وفشلا لأسباب كثيرة قد أعود إليها في مقال مستقل.
فالإبداع والتفكير الحر والنقدي والآداب والفنون ليست مجرد مهارات فنية يمكن التدريب عليها، لكنها عمليات استيعاب طويلة وعميقة تنشئها منظومة راسخة ومتراكمة من التعليم والثقافة والسلوك.. وأخيرا المهارات والأداء. والفنون بعامة هي تعبير محسوس عن مشاعر وأفكار. والإنسان يتذوق بصريا أو سمعيا الفلسفة المنشئة لهذه الفنون. هكذا يجب ان تكون لدينا أوّلا حياة اجتماعية ثقافية وفكرية نعيشها ونتجادل بشأنها ثم نلتمسها في الموسيقى والفنون والشعر والقصة والعمارة والرقص والمسرح، وسوف يظل ما لدينا من ثقافة وفنون أسير هذه الحالة. لكن بالتأكيد فإن ما يبذله المشغولون بالإبداع هو جهود نبيلة ومقدرة. وتظل مسؤولية المؤسسات التعليمية والثقافية ان تنشئ قاعدة اجتماعية وجمهورا عاشقا ومتذوقا للفنون.
إن المؤشر الأساسي الذي يمكن الاستدلال به على الحراك الاجتماعي والنخبوي هو ديناميات التقدم الوظيفي والشخصي والتنافس على الفرص المتاحة في الأسواق والمجتمعات والقطاع العام، فعندما لا يكون الجيل الجديد قادرا على المشاركة في منافسة عادلة على الفرص المتاحة في الشركات والقطاع العام فهذا يعني مستقبلا أسوأ بكثير من الحاضر.
ويذهب هدرا كل ما يبذل في بناء رأس المال البشري إذا كانت نسبة كبرى وغالبة من الكفاءات والمواهب تهاجر أو تنتقل للعمل في الخارج، ولا تعوض التحويلات المالية التي يرسلها العاملون في الخارج إلا جزءا قليلا من الخسائر، وفي ذلك فإن أول وأهم ما يجب أن نفكر فيه هو تطوير سوق العمل لتستوعب الكفاءات والطاقات الإنتاجية وتراكمها، فالإبداع هو محصلة تراكم الأعمال والأجيال في الأعمال والأسواق ثم استيعاب هذا التراكم في مشروعات وأسواق وفرص جديدة وإضافية، ويجب أن يتحول هذا الإبداع الذي يمكن ملاحظته في الإضافة والتجديد للموارد إلى تراكم جديد، .. هكذا في حلقات متصلة ومستمرة، فالإبداع لا يظل كذلك؛ ليس إبداعا إلا في لحظة تشكله، ثم يتحول فورا إلى منجز ينضم الى عمليات التراكم والاستيعاب لينشأ إبداع جديد،..
نحتاج إلى معرفة وتتبع لمصير ومسار الكفاءات العلمية المتفوقة على مدى السنين والعقود، لنعرف ونتساءل لماذا لا تواصل تقدمها، أو لماذا تهاجر؟ ولماذا أيضا استطاعت أن تحافظ على لياقتها وكفاءتها واستمرارها في العطاء والعمل، ونحتاج إلى بناء مؤشرات وقواعد معلومات حول رأس المال البشري تقدم بوضوح المسارات المفترضة للتخطيط والمراجعة، ويمكن أن نتساءل ببساطة ما مصير أبناء القرى والعمال والفلاحين والفقراء الذين تلقوا تعليما في المدارس والجامعات؟ هل انعكست الفرص الخاصة التي منحت لل"أقل حظا" على المجتمعات الأقل حظا؟ وهل تبدو الأجيال الحاضرة في مستوى من المعيشة أفضل من الأجيال السابقة؟ وهل انعكست المهارات والمعارف التي اكتسبها خريجو المدارس والجامعات والدورات التدريبية إيجابيا على حياتهم ومجتمعاتهم؟
وفي مستوى آخر من التقييم والمراجعة يمكن أن ننشئ مشهدين معرفيين؛ لننظر في واقع ومسار ومصير المتفوقين في الثانوية وفي الجامعات على مدى العقود والسنين، وننظر أيضا في خريطة النخبة القائمة من الوزراء والنواب والأعيان والمدراء وقادة الشركات والمجتمعات والنقابات وما نسبة المتفوقين في دراستهم بالنسبة للنخبة القائمة؟ ولننطر في الفرص التي قدمت في الابتعاث والتدريب والتقدم المهني والوظيفي وما نسبة المتفوقين والمبدعين والموهوبين من أصحابها؟ هكذا ببساطة يمكن أن نفهم مسار التخطيط لرأس المال البشري وفي أي اتجاه يسير!
وبالطبع فإن فهم المعوقات الأكثر أهمية أمر ضروري لتحديد الأولويات عبر مختلف مجالات السياسة، والخطوة الأولى كما يقترح البنك الدولي هي تحسين جودة البيانات الإدارية الأساسية في التعليم والصحة. لكن البيانات الأساسية التي تقدمها دائرة الاحصاءات والمؤسسات المعنية في حاجة إلى أن تدخل في مراحل أخرى من التصنيع والإنتاج، وأن تخضع لعمليات تحليل دؤوبة ومتواصلة لتتحول إلى مؤشرات وأفكار ومراجعات عملية وواضحة، وبالطبع فإن الكثير من النتائج والأفكار على قدر من الوضوح والتوقع، لكنها ولسوء الحظ لا تشغل الا بقدر ضئيل المشتغلين بالعمل العام والشباب المنخرطين في الاحتجاج والشعور بالظلم؛ كما لا تشغل الحكومة والسياسيين؛ على الأقل في ما يظهر في وسائل الإعلام وشبكات التواصل، وإذا لم يتقدم المشتغلون بالعمل العام في الحكومة والمنظمات السياسية والاجتماعية خطوات جديدة في بناء القيم والأفكار التي تشغل الفضاء العام وتؤثر في التأييد والمعارضة والانتخاب وتخطيط الموازنات والبرامج والإنفاق العام؛ فإن الإصلاح يظل أفكارا ومشاعر غير عملية وغير واضحة، ويمكن التلاعب بها وتحريفها.
يؤكد البنك الدولي على الدور الحيوي للحكومات في بناء رأس المال البشري، مثل تقديم الخدمات التعليمية والصحية والتمويل لضمان الوصول العادل إلى الفرص، وكجهات تنظيمية للرقابة ومراقبة الجودة لدى مقدمي الخدمات من القطاع الخاص، لكن الحكومات غالباً (حسب البنك الدولي) ما تفشل في تحقيقها؛ إذ تلتزم معظم الحكومات بنصيب كبير من ميزانياتها للتعليم والصحة. لكن الخدمات العامة غالباً ما تفشل في تقديم الجودة المطلوبة لتوليد رأس المال البشري، وفي بعض الأحيان يكون الفقراء هم الأكثر حرمانا من الخدمات الحكومية، في حين ينسحب الأغنياء والمقتدرون إلى القطاع الخاص للحصول على الخدمات الأساسية.
يترسخ ضعف مستوى الخدمات العامة ويتراكم لأنه وببساطة لا يؤدي العمل العام إلى عوائد سياسية وانتخابية، ويفتقر العاملون في القطاع العام بطبيعة الحال إلى الحوافز والدوافع التي تحرك الناس للبذل والعمل الجاد كما في القطاع الخاص، وليس متوقعا من القادة السياسيين والنواب أن يتحركوا لإصلاح الخدمات العامة من غير حوافز ومحركات انتخابية وسياسية. ويمكن الملاحظة كيف تتجه السياسات المالية في الإنفاق والدعم حسب المواقف الشعبية والعامة. لكن ليس هناك ما يشدّ الحكومة ويجذبها للإنفاق والاستثمار في تحسين نوعية التعليم وتدريب المعلمين وبناء المستشفيات وتطويرها. ولا نكاد نلاحظ وجودا لقضايا التعليم والصحة والتكامل الاجتماعي في لقاءات المسؤولين العامة أو في الحملات الانتخابية للمرشحين أو في الرقابة على الحكومة في البرلمان.
وتتأخر عوائد وانجازات الاستثمار في التنمية ورأس المال البشري سنوات عدة وطويلة أحيانا؛ ما يجعل الحكومة تعزف عنها لتبحث عن إنجازات سريعة ترضي المواطنين أو تقلل احتجاجهم، وتكون أيضا قبل رحيل الحكومة القائمة، فتطوير التعليم مثلا لن تظهر نتائجه قبل عشر أو خمس عشرة سنة.
يلاحظ البنك الدولي ضعف المستوى المعرفي لدى العاملين في قطاعات التعليم والصحة، وفي ذلك فإن تطوير هذين القطاعين يعتمد على رفع كفاءة العاملين، وهو أمر لم يتحقق بفعالية حتى بعد الدورات التدريبية والشهادات التعليمية التي حصلوا عليها في أثناء العمل، .. هكذا تتواصل وتتزايد حالات المرض والوفاة في المراكز الصحية والمستشفيات ويدخل الى سوق العمل والجامعات أعداد كبيرة من الشباب من غير تأهيل اجتماعي ومعرفي ومهاراتي، ولأسباب سياسية معروفة فإن إدخال التقنيات والبرامج المتقدمة لم يحسن في اداء المؤسسات التعليمية والصحية، بل جرى تعطيلها وإفشالها أو إسنادها إلى عاملين غير أكفاء ولم يصلوا إلى مواقعهم وفرصهم على أسس عادلة.
يحتاج الإصلاح إلى قواعد معلوماتية ومعرفية عن مستوى التعليم والصحة لأجل التأثير الاجتماعي والرقابة على المؤسسات الحكومية وتفعيل المشاركة الشعبية وإبعادها عن الاحتجاج العام والتذمر والشعور بالظلم من غير إدراك عملي وواضح للعدالة، ومن الأفكار العملية الممكن أن تعمل فيها المنظمات الاجتماعية والسياسية التي تطمح للتأثير الإصلاحي في الواقع والسياسات الحكومية عرض وتقديم البيانات عن المشكلات القائمة والفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الإشارة إلى الانجازات الإيجابية ذات التأثير الحقيقي على كفاءة وحياة الأفراد والمجتمعات.
وصار الإبداع القوة الرئيسة المحركة لاقتصاد المعرفة وأسواقها، وهذا يجعله هدفاً أساسياً للتعليم والتدريب، ومقياساً للتقدم المهني والاجتماعي، وجوهر التنافس على فرص العمل والقيادة. وهكذا، تصبح الثقافة والفنون والموسيقى والكتابة الإبداعية والشعر والرواية والقصة والعمارة والتصميم، المحتوى الأساسي للمؤسسات التعليمية والتدريبية؛ لأن الإبداع والخيال أهم صفة يجب أن تتحلى بها السوق والعاملون فيها.
ويعتمد التقدم العلمي والتقني الجديد على معرفة الإنسان وفهمه. ففي محاكاة التقنية للإنسان، تصعد علوم اللغة وعلم النفس والاحتمالات. فجوهر التقدم العلمي والتقني، اليوم، هو تحويل اللغة والإمكانات والمهارات العقلية والتحليلية والتذكر والتداعيات والترجمة والتفكير، إلى رموز وبرامج حاسوبية وأجهزة وروبوتات. وبطبيعة الحال، يصعد عدم اليقين، وتصعد علوم الفلسفة والمنطق والاحصاء والاحتمالات، وتحتل موقعاً جوهرياً ومؤثراً في العلم والتقنية والحياة. وفي إعادة النظر في المعنى والجدوى والوجود والمصير، يصعد التصوف والفلسفة؛ التصوف بما هو التأمل الفردي أو تخيل الحقيقة والبحث عن الإجابات والإلهام، والفلسفة بما هي محاولة إدراك حقائق الأشياء.
إنسان المعرفة، بفرديته وإمكاناته الجديدة، في المعرفة والعمل، وقدراته على العمل بنفسه، يعيد تعريف المهن والحرف. وتتغير تبعاً لذلك المدن والمجتمعات، وعلاقتها بالأفراد والدولة والسوق. ففي مدن الأفراد القادرين على العمل بأنفسهم ولأنفسهم، والذين لم يعودوا في مواردهم يرتبطون بمؤسسات عمل محددة، وأنظمة عمل تقليدية، يتغير تخطيط المدن والطرق والبيوت، وتتغير، أيضاً، العلاقة مع السلطات والأسواق… إنها مدن ومجتمعات أقرب إلى الاستقلالية والقدرة على تنظيم احتياجاتها وأولوياتها أو معظمها، فتصعد أنظمة الحكم المحلي واللامركزية، ويدبر الأفراد وأهل المدن معظم احتياجاتهم وخدماتهم الأساسية، ما يجعلهم أكثر ولاية على أنفسهم واحتياجاتهم وخدماتهم، ويصبح للديمقراطية والحريات محتوى ومعنى جديدان ومختلفان.
لكنها عمليات استيعاب وتحول وتشكل تكتنفها صعوبة الانقطاع عن الماضي "الصناعي" وغموض الاتجاهات، فما زلنا في مرحلة انتقالية من الصناعة إلى الشبكية أو ما بعد الصناعة، وهي مرحلة مليئة بالخوف وعدم اليقين والتغير المستمر، لكن يمكن تقدير اتجاهات ومبادئ للتفكير والاستشراف والحكمة!







