خطاطبة يكتب: مريض بلا تشخيص.. حين يصبح الفحص المفقود جزءا من المرض
محمود خطاطبة
قبل نحو ستة أشهر كتبت مقالًا عن مرض وصفته يومها بأنه «لغز» طبي، ليس لأنه نادر بالضرورة، وإنما لأن بعض من يُعانون منه يعيشون سنوات طويلة من دون أن يعرفوا بالضبط ماذا يحدث لأجسادهم.
وبعد مرور هذا الوقت، أعود إلى الموضوع نفسه، لأنني أعرف أشخاصًا يعيشون هذه المُعاناة منذ عقود، وأعرف حالة لصديق لي، بدأت منذ نحو 45 عامًا، وهي ليست فترة انتظار عادية أمام مرض لا يتوقف عن سلب الإنسان قدرته على الحياة الطبيعية.
المُشكلة ليست في المرض وحده؛ المُشكلة تبدأ عندما يذهب المريض إلى الطبيب بعشرات الأعراض، فيجد أن كُل عرض يأخذ طريقًا مُختلفًا.. واحد للأعصاب، وآخر للقلب والأمراض الباطنية، وثالث للمسالك، ورابع للجلدية والعظام؛ وفي النهاية يعود المريض إلى بيته ومعه وصفات وأوراق كثيرة، لكن من دون إجابة عن السؤال الذي يهمه فعلًا: ماذا يحدث لي؟.
وهذا ما يجعل بعض الأمراض أشبه برحلة تيه طويلة؛ المريض لا يتوقف عن البحث، والطبيب لا يجد أمامه دائمًا ما يكفي من الأدلة للوصول إلى تشخيص واضح، والمُستشفيات في المملكة، أكانت حُكومية أم خاصة، لا تمتلك الفحص الذي يُمكن أن يحسم المسألة.. طبعًا بدأت رحلة تتبع منذ تاريخ كتابة المقال الأول، وتبين أن المعلومات التي يوردها المريض صحيحة 100 بالمائة.
والأصعب أن الأعراض قد تكون موجودة منذ سنوات طويلة، لكنها عولجت كُل واحدة منها باعتبارها مُشكلة مُستقلة، ومع تطور المعرفة الطبية في السنوات الأخيرة، بدأت بعض هذه الأعراض تُقرأ باعتبارها قد تكون أجزاء من مرض واحد، لكن الوصول إلى هذا الاحتمال شيء، وإثباته طبيًا شيء آخر تمامًا.
هُنا، تبدأ الحلقة المُغلقة، المريض يحتاج إلى فحص مُتخصص حتى يثبت التشخيص، والفحص غير مُتوفر في المملكة.. سألت أحد الأطباء المُتخصصين وقال لي: «المرض زنخ، وغير معروف على نحو واضح، والفحص المُتاح حاليًا ربما في المملكة المتحدة».
طبعًا وفي الوقت نفسه، قد يكون مطلوبًا من المريض أن يقدم دليلًا طبيًا واضحًا على أن ما يُعانيه ليس مُجرد شكوى أو مجموعة أعراض مُتفرقة، وإنما حالة مرضية لها أثر حقيقي على قدرته على العمل والحياة.
لكن كيف يفعل المريض ذلك إذا كانت أداة الإثبات نفسها غير موجودة؟ هذه ليست مُشكلة المريض وحده، ولا يصح أن تتحول إلى معركة بينه وبين الطبيب، فالأخير لا يستطيع أن يخترع فحصًا غير موجود، والمريض لا يستطيع أن يُقدم نتيجة لفحص لم يُجر له، وبين الاثنين يبقى الإنسان هو الطرف الأضعف.
الأخطر أن مرور السنوات لا يعني أن المُشكلة بقيت كما هي؛ بعض الأمراض المُزمنة لا تنتظر التشخيص حتى تتقدم. الوقت نفسه يُصبح جُزءًا من المُشكلة، وما كان في بداية المرض مُجرد بداية أو اضطراب في وظيفة مُعينة قد يتحول مع السنين إلى تراجع حقيقي في القُدرة على الحركة والعمل ومُمارسة الحياة بصورة طبيعية.. ومن أعرفهم في هذه الحالات لم يخسروا سنواتهم بسبب المرض وحده، بل بسبب البحث عن اسم المرض أيضًا، وهذا فرق كبير.
نحن نتحدث إذن عن جانب من الطب لا يتعلق بالعلاج فقط، وإنما بقدرة النظام الصحي على الوصول إلى التشخيص عندما تكون الحالة مُعقدة، وبقدرته على توفير الفحوص التي انتقلت من كونها أدوات بحثية مُتخصصة إلى وسائل ضرورية لحسم حالات مُعينة، خصوصًا ما يتصل بالحصول على منافع هي حق واستحقاق قانوني وإنساني أصيل، مكفول بموجب الدستور والتشريعات الوطنية والمواثيق الدولية.
لا أقول إن كُل حالة تحمل أعراضًا مُتشابهة تعني المرض نفسه، ولا إن التشخيص المُفترض صحيح لمُجرد أنه يُفسر مجموعة كبيرة من الأعراض؛ فمن المعروف أن الطب لا يعمل بهذه الطريقة، لكن عندما يبقى إنسان سنوات طويلة يدور بين العيادات، ويظل التشخيص في دائرة الاحتمال لأن الفحص المُتخصص غير متاح، فهذه مُشكلة تستحق أن نتوقف عندها.. فالمرض يُمكن أن يكون قاسيًا، لا بل قاسيًا جدًا، لكن أن يُضاف إليه غياب التشخيص، ثم غياب الفحص، ثم سنوات الانتظار، فذلك يجعل المُعاناة أثقل بكثير.
والسؤال الذي يبقى هُنا بسيطًا: كم من المرضى يعيشون هذه الرحلة الآن، وكم منهم وصل إلى مرحلة لم يعد فيها التشخيص المُتأخر قادرًا على استعادة السنوات التي ضاعت؟.







