اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نهلا عبدالقادر المومني تكتب: المدن والحق في الثقافة

{title}
أخبار الأردن -

 

د.نهلا عبدالقادر المومني


تشكل المدن أحد أهم مكونات الحق في الثقافة؛ ذلك الحق الذي تمتد جذوره بعيدا في الارض، لتضم جوانب حياة الانسان كافة فتصنع مجتمعا متفردا ومتميزا ومنتميا، يدرك قيمة الأماكن والمساحات وأهمية إبراز الجمال في كل شيء.
 

 ولا تعد المدن عنصرا من عناصر الحق في الثقافة في لغة حقوق الإنسان فقط؛ وإنما حظيت باهتمام دولي لما تشكله من مسارات بناء المجتمعات وجزءا من تاريخ الأفراد، لا بل إن هذا الاهتمام امتد ليحظى بحماية دولية، لتمسي بعض المدن والأماكن محميات بشرية، تشكل ملكا للإنسانية كاملة، والاعتداء عليها يشكل اعتداء على التراث الإنساني وهو ما تقوم به اليونسكو اليوم من توسيع رقعة الحماية لمدن وشوارع ومساحات تستوطن فيها ذاكرة الإنسان وكثير من أحلامه وأحزانه أيضا؛ ولم يكن ذلك وليدة الصدفة البشرية؛ فتاريخ الإنسان يبدأ من مدينة ما وقد يختزل فيها.
في زاوية أخرى، بعيدا عن الحماية الدولية وقريبا من التطورات التي نشهدها يوما تلو الآخر، تبدو ذاكرة المدن على المحك، ضائعة بين أصالة مفقودة وعمران حديث لا يشبه بعضه الآخر.
هوية المدن، الهوية البصرية التي تجعل من المكان تفردا وتميزا ينطق به عن غيره، والذي يعكس في العمق ذلك التفاعل والاندماج التاريخي بين الإنسان ومحيطه، لا شك أنه اليوم في تلاش وضمور. هوية تفقد ملامحها في حين أن هذه الهوية تعد حقا من حقوق الإنسان ذات العلاقة بالحق في الثقافة والانتماء، واجتثاثه هو أول حالة اغتراب يعيشها الفرد في بلده.
في زمن تتشابه فيه الأشياء وتتماثل وتفقد هويتها نجد الإنسان يبحث عن عمق ما، وهوية أصيلة في زوايا الأماكن، لا عجب إذا وجدنا مثلا أن أكثر الأماكن ازدحاما في العاصمة عمان هي المناطق التي تعيد لذاكرة الأردني تاريخه، ابتداء بوسط البلد وحكايات أسواقه ومقاهيه المطلة وحكايا أدراجه وغير ذلك الكثير من الأماكن التي يجد مريدوها روحا لا تذوي رغم مرور السنين، وهوية وعمقا انسانيا في تفاصيلها كافة.
التاريخ مدينة بما في ذلك تاريخ الإنسان ذاته؛ هذا ما أثبته الأدب أيضا؛ فالمدن لم تكن يوما مكانا فقط لسير الأحداث، بل أمست في أحيان كثيرة شخصية رئيسية تفرض إيقاعها على تفاصيل الحكاية وتؤثر في مجرياتها وفي مصائر أبطالها فتتنفس وتستيقظ وتنام كما يفعلون، ولأن المدن كالإنسان تماما لا نعرفها إلا بصحبتها ورفقة شوارعها ومطرها وحدائقها، لذا فإن اكتشافها يعادل اكتشاف الإنسان ذاته.
أهم دروس الإنسان تعلمها من المدن دون أن تنطق كلمة واحدة، الحكايات الكبيرة كانت وليدة مدن عاشت تفاصيله وأحلامه، الأدب العظيم خلد من خلالها وأحيانا من أجلها، حكايات النصر والهزيمة والحب والعشق خلدتها المدن، ذاكرة الإنسان عندما لا تجد سبيلها للشفاء فاعلم أنها ارتبطت بمدينة ما.
من حق الإنسان أن يعيش في مدن تعكس الهوية والتاريخ، لا تكتفي بأن تكون حجارة صماء لا تنبئ عن ماض أو مستقبل، من حق الأجيال أن تنظر حولها فتجد أن البناء يقوم على فكرة، وأن نسقا موحدا يجمع تفاصيل المدينة ليجذر تاريخها وأصالتها مع تشبعها بالحداثة والتطور.
المدن بوصفها جزءا من الحق في الثقافة هي حق من حقوق الإنسان، يقتضي أن يخطط لها بما يضمن أن يبقى هذا الحق حاضرا، محفوظا للأجيال الحالية والقادمة، فالمدن شكلت ذاكرة إنسانية بأكملها وما تزال، ومن الواجب الحفاظ على هذه الذاكرة وشكلها وهويتها من التلاشي والاندثار.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية