اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العثامنة يكتب: الدولة التي تصل إلى باب المدرسة

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


هناك فرق بين أن تقول الدولة إن التعليم حق، وبين أن تتأكد أن الطفل يستطيع فعلا الوصول إلى المدرسة التي تمنحه هذا الحق، فالمدرسة قد تكون موجودة، والمعلم موجودا، والكتاب على المقعد، لكن كل ذلك يصبح أقل قيمة إذا كان الطريق إلى الصف نفسه عبئا يوميا على الأسرة، أو سببا في الغياب والتسرب، أو رحلة مرهقة لطفل يبدأ يومه قبل أن يبدأ الدرس.
 

من هنا تبدو خطوة إطلاق النقل المدرسي المجاني لطلبة المدارس الحكومية في البادية الجنوبية أكبر من مجرد تشغيل حافلات، فالمرحلة الأولى تشمل 61 مدرسة ونحو تسعة آلاف طالب وطالبة و120 حافلة، وهذه أرقام مهمة، لكن الأهم هو الفكرة التي تقف خلفها، وهي أن الدولة بدأت تتعامل مع الوصول إلى الخدمة بوصفه جزءا من الخدمة نفسها.
وفي بلد مثل الأردن، ليست المسافة بين البيت والمدرسة متساوية للجميع، وما يبدو في العاصمة مشكلة نقل يمكن حلها بأكثر من خيار، قد يصبح في قرية أو تجمع بعيد شرطا أساسيا للاستمرار في التعليم، وهنا يظهر الفرق بين المساواة والعدالة، ففتح المدرسة أبوابها للجميع لا يعني أن الجميع قادر على الوصول إليها بالشروط نفسها.
وتتسع الصورة حين نضع مشروع النقل إلى جانب بناء مدارس جديدة، والتوسع في التعليم المهني والتقني، وبرامج التغذية المدرسية، فالمسألة لم تعد عدد مقاعد وكتب فقط، بل محاولة للنظر إلى اليوم الدراسي كله، من لحظة خروج الطالب من بيته إلى لحظة عودته إليه.
وهنا أيضا تقع مسؤولية على الصحافة، لأن أخبارا من هذا النوع تمس حياة الناس ومعاشهم اليومي مباشرة، وتستحق أن تلاحق وتسأل وتتابع: هل وصلت الحافلات فعلا؟ هل انتظمت؟ هل انخفض الغياب؟ وهل ستتوسع التجربة؟ الصحافة الحقيقية لا تكتفي بنقل الخبر، بل تعود إليه بعد أسابيع وشهور وتقيس أثره، بدلا من أن تنجر كل يوم خلف ترند تصنعه السوشال ميديا، ويستهلك الناس في ثقافة من الغيبة والنميمة والفضائح التي لا تضيف معرفة ولا تغير حياة.
المشكلة أن جزءا من الإعلام أصبح يقيس نجاحه بأرقام المشاهدة، وكأننا أمام بورصة للوهم الافتراضي، فيما قيمة الصحافة ليست في أن تكون الأعلى صخبا، بل الأكثر قدرة على كشف ما يهم الناس فعلا، ومساءلة من يقدم الخدمة، ومتابعة ما إذا كانت الوعود قد تحولت إلى واقع.
وقيمة هذه الخطوات لن تكون في الإعلان عنها، بل في قدرتها على الاستمرار والتوسع والانضباط، فالحافلة يجب أن تكون آمنة ومنتظمة، والمدرسة الجديدة في المكان الذي يحتاجها فعلا، والخدمة العامة تكتسب معناها حين تصبح حقا يستطيع المواطن أن يعتمد عليه.
الدولة القوية ليست فقط التي تبني المدرسة، بل التي تعرف أن هناك طفلا ما زال بعيدا عنها، فتصل إلى باب بيته.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية