اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القهيوي يكتب: حين يصبح المستقبل ساحة للمنافسة

{title}
أخبار الأردن -

 

ليث القهيوي


لم تعد الدول تتنافس فقط على الموارد والأسواق والنفوذ الذي تملكه اليوم، بل على الموقع الذي ستحتله في النظام الذي يتشكل غدًا. ولهذا لم يعد الفارق الحقيقي بين دولة تملك أكثر ودولة تملك أقل، بل بين دولة تنتظر حتى تتضح التحولات ثم تتعامل معها، ودولة تقرأ اتجاهها مبكرًا وتبني استعدادها قبل أن تصبح خياراتها محدودة.
 

المستقبل لم يعد موعدًا مؤجلًا. لقد أصبح ساحة للمنافسة تُحسم فيها أجزاء كبيرة من مواقع الدول قبل أن تصل إليها التحولات نفسها. التكنولوجيا، والمعرفة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والمياه، والأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد، ورأس المال، والمواهب ليست ملفات منفصلة كما كانت تُدار في السابق؛ إنها مكونات مترابطة لقوة جديدة، تتحدد قيمتها بقدرة الدولة على جمعها داخل منظومة قادرة على إنتاج ميزة مستدامة.
ولهذا قد تكون الدولة التي تستثمر اليوم في قدرة لم تصبح حاسمة بعد، أكثر استعدادًا للمستقبل من دولة تستنزف مواردها في الحفاظ على ما يبدو مهمًا في الحاضر. فالقوة المستقبلية لا تُبنى دائمًا حول ما يحقق العائد الأسرع، وإنما حول ما يمنح الدولة قدرة أكبر على الحركة عندما تتغير قواعد المنافسة.
المشكلة إذن ليست في أن العالم يتغير؛ فقد كان التغير دائمًا جزءًا من التاريخ. الجديد أن سرعة التحول أصبحت أكبر من قدرة كثير من المؤسسات على الاستجابة. وهذا يفرض تعريفًا مختلفًا للإدارة والقيادة: لم تعد المؤسسة القوية هي التي تنفذ خطتها بكفاءة فقط، بل التي تستطيع أن تكتشف مبكرًا أن البيئة تغيرت، وأن تعيد النظر في افتراضاتها، وتعيد تصميم أدواتها قبل أن يتحول التأخر إلى كلفة.
ومن هنا يبدأ التحول من إدارة التغيير إلى بناء القدرة على التغيير. هذه النقلة تكتسب أهمية أكبر في الشرق الأوسط. فالمنافسة الإقليمية لم تعد تدور فقط حول الموارد أو حجم الأسواق، وإنما حول القدرة على بناء مراكز جديدة للتكنولوجيا والتمويل والمعرفة، واستقطاب المواهب، وتطوير البنية اللوجستية، وربط الأسواق، وتحويل الطاقة والمياه والغذاء إلى عناصر من القوة الاقتصادية والإستراتيجية. والأهم أن التنافس لم يعد بين مشروعات منفردة بقدر ما أصبح بين منظومات تستطيع أن تجعل قطاعات متعددة تعمل معًا وتنتج قيمة أكبر من مجموع أجزائها.
وفي هذه البيئة، يدخل الأردن اختبارًا مختلفًا يتمحور حول كيف يبني قدرة وطنية تسمح له بالتعامل مع ما لم يتشكل بعد.
هنا تكتسب منظومة التحديث السياسي والاقتصادي والإداري معناها الأعمق. فالتحديث السياسي لا ينبغي أن يُختزل في تطوير أدوات المشاركة، وإنما في بناء حياة سياسية قادرة على إنتاج الأفكار والسياسات والقيادات التي تفهم التحولات وتقدم بدائل قابلة للحياة. والحزب الذي لا يمتلك تصورًا للمستقبل سيجد نفسه يدير مجتمعًا يتغير أسرع منه. أما الحزب الحديث، فلا ينبغي أن يكون مجرد تنظيم يسعى إلى الوصول إلى الحكم، بل مؤسسة تنتج السياسات، وتبني القيادات، وتختبر البدائل، وتربط العمل السياسي بالتحولات التي يعيشها المجتمع والاقتصاد.
وفي المقابل، لا يستطيع التحديث الاقتصادي أن يظل محصورًا في مؤشرات النمو أو حجم الاستثمار، السؤال الأكثر أهمية هو: هل يبني الاقتصاد قدرة تنافسية تتزايد مع الوقت؟ وهل تتحول الاستثمارات إلى إنتاج ومعرفة وأسواق جديدة؟ وهل تتحول المهارات إلى قيمة اقتصادية؟ وهل يستطيع الاقتصاد خلق مجالات جديدة بدل الاكتفاء بالتكيف مع المجالات القائمة؟
الاقتصاد الذي يبحث دائمًا عن الفرص الموجودة يختلف عن اقتصاد يمتلك القدرة على صناعة فرص جديدة.
أما تحديث الإدارة العامة، فيمثل الحلقة التي تسمح بأن تتحول الأفكار إلى نتائج. الإدارة التي صُممت لبيئة مستقرة نسبيًا تستطيع أن تنفذ الإجراءات، لكنها قد لا تكون مجهزة للتعامل مع عالم تتغير فيه الأولويات والتهديدات والفرص بسرعة. ولذلك تحتاج الإدارة المستقبلية إلى دورة مختلفة: استشراف، وسيناريوهات، وقرار، وتنفيذ، وقياس، وتعلم، ثم إعادة تصميم.
المؤسسة التي تتعلم من نتائجها تستطيع أن تتغير قبل أن تُجبر على ذلك.
لكن التحدي الأكثر عمقًا لا يكمن في غياب الرؤى أو الخطط. يمكن لأي دولة أن تمتلك إستراتيجية سياسية، ورؤية اقتصادية، وبرامج إصلاح إداري، ومبادرات متعددة، ومع ذلك لا تنتج قدرة مستقبلية حقيقية. السبب أن كل مسار قد يعمل بمنطق منفصل عن الآخر.
القوة تبدأ عندما تتحول هذه المسارات إلى منظومة واحدة.
فالتحديث السياسي ينتج القدرة على صياغة الخيارات العامة، والتحديث الاقتصادي يحول الخيارات إلى قيمة وفرص وقدرة تنافسية، والإدارة العامة تحولها إلى تنفيذ مؤسسي مستدام. وعندما تتكامل هذه الأبعاد، يصبح الإصلاح أكثر من مجموعة برامج؛ يصبح قدرة وطنية على التعلم والاستجابة وصناعة البدائل.
وهنا أيضًا يجب أن يتغير موقع الشباب في هذه المعادلة. فالشباب ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى سياسات تشغيل أو مشاركة، بل يمثلون جزءًا من القدرة التي سيُبنى عليها المستقبل. وإذا بقي التعليم منفصلًا عن الاقتصاد، والسياسة منفصلة عن تطلعات الأجيال الجديدة، وسوق العمل منفصلًا عن التحولات التقنية، فإن الدولة ستملك طاقة بشرية كبيرة دون أن تمتلك بالضرورة قدرة تنافسية مماثلة.
المطلوب ليس فقط أن نؤهل الشباب للمستقبل، بل أن نجعلهم جزءًا من إنتاجه. وهذا كله يرتبط بمسألة تبدو أقل وضوحًا، لكنها ربما الأكثر أهمية: حرية الاختيار.
الدولة التي تستعد مبكرًا تمتلك خيارات أكثر، وتستطيع تعديل سياساتها، وإعادة توزيع مواردها، ودخول شراكات جديدة، وتطوير قطاعات صاعدة، والاستجابة للصدمات من موقع أكثر قوة. أما الدولة التي تؤجل الاستعداد حتى تصبح التحولات واقعًا ضاغطًا، فقد تجد أن كثيرًا من الخيارات التي كانت متاحة أصبحت مكلفة أو مغلقة.
لهذا فإن المنافسة على المستقبل هي في جوهرها منافسة على القدرة على الاحتفاظ بالخيارات. وهذه مسألة تتجاوز الاقتصاد والإدارة والسياسة إلى مفهوم أوسع للقدرة الوطنية. فالدولة التي تستطيع التعلم أسرع، وتعيد توجيه مواردها أسرع، وتنتج قيادات أكثر قدرة على قراءة التحولات، وتربط مؤسساتها بأهداف استراتيجية مشتركة، تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها عندما تتغير البيئة المحيطة.
أما الفرصة الإقليمية، فهي لا تنتظر الجميع بالقدر نفسه. المركز الاقتصادي الذي لا يُبنى اليوم قد يُبنى في مكان آخر. والميزة اللوجستية التي لا تتحول إلى منظومة قد يفقدها صاحبها لصالح منافس. والكفاءة التي لا تجد بيئة تستثمرها قد تتحول إلى قيمة اقتصادية خارج حدودها. والمعرفة التي لا تتحول إلى منتجات وخدمات تبقى طاقة كامنة لا تصنع نفوذًا.
السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: ماذا يجب أن نبني اليوم حتى نمتلك خيارات أكثر بعد عشر سنوات؟
هذا هو التخطيط للمستقبل والاستعداد الحقيقي له. فالمستقبل لا يأتي دفعة واحدة حتى نواجهه عندما يصل. إنه يتشكل تدريجيًا من القرارات التي نتخذها الآن، ومن المؤسسات التي نبنيها، ومن المهارات التي نطورها، ومن السياسات التي نختبرها، ومن القيادات التي نؤهلها، ومن قدرتنا على مراجعة ما اعتدنا عليه عندما يصبح غير مناسب للعالم الجديد.
لهذا، فإن المنافسة القادمة لن تكون ببساطة بين من يملك أكثر ومن يملك أقل، ولا بين من يملك موارد أكبر ومن يملك موارد محدودة. ستكون بين من يستطيع أن يحول التغير إلى قدرة، ومن يظل يتعامل معه بوصفه ظرفًا طارئًا.
حين يصبح المستقبل ساحة للمنافسة، فإن أفضلية الدول لا تكمن في قدرتها على معرفة ما سيحدث فقط، بل في قدرتها على بناء مؤسسات واقتصادات وقيادات تستطيع أن تتعامل بكفاءة مع ما لم يحدث بعد.
وهنا تحديدًا يتحدد الفرق بين دولة تنتظر المستقبل، ودولة تستعد له، ودولة تمتلك من القدرة ما يجعلها شريكًا في صناعته.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية