أبو طير يكتب: التهجير بدلا من العودة
ماهر أبو طير
يتم شطب ملف اللاجئين الفلسطينيين بشكل متدرج، بما يعني إنهاء حق العودة الذي لم يعد يتحدث عنه أحد، والكل للمفارقة يتخوف من موجات لجوء جديدة، بدلا من إعادة اللاجئين إلى فلسطين.
هكذا انقلبت العناوين، إذ بدلا من الحديث عن حق العودة أصبح الحديث عن منع التهجير، وكأننا نعلن ذعرنا من موجات لجوء جديدة من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وربما أيضا من أهل فلسطين 1948 الذين يظن بعضهم أنه آمن لمجرد حمله الجنسية الإسرائيلية، وهذا غير صحيح.
هناك تدمير متواصل، ومشروع تصفية لوجود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في مدينة القدس، وحادثة السطو على معهد قلنديا الأخيرة التابع للوكالة ورفع العلم الإسرائيلي ليست الأخيرة، إذ سبقها إغلاق مدارس الوكالة في القدس، ومنع نشاطات الوكالة في المدينة، وإصدار الكنيست لقرارين تم بموجبهما تجريم "أونروا"، ومنع التعاون معها بأي شكل.
تزامن وسبق كل هذا تدمير مؤسسات "أونروا" في قطاع غزة، واتهام العاملين في الوكالة زورا بكونهم أعضاء في تنظيمات عسكرية، وتحريض واشنطن على الوكالة، لتجفيف التمويل المالي الذي تم قطعه كليا، والهدف هنا طرد هذه المؤسسة الدولية من كل فلسطين، بما يعني أن الأمر سيتكرر قريبا في الضفة الغربية، عبر إغلاق المدارس والمنشآت الصحية وغيرها.
"أونروا" تدعم 6 ملايين لاجئ فلسطيني في فلسطين، وسورية، ولبنان، والأردن، والأزمة هنا ليست أزمة خدمات تعليمية أو صحية بقدر كونها محاولة لإلغاء التعريف السياسي للوكالة باعتبارها الشاهد على اللجوء بالوثائق والأدلة، على المستوى الدولي، وبالتالي ما يرتبط بحق العودة، وهذا يعني تصفية شاملة وسط صمت دولي يتذمر حتى من منع موظفي الأمم المتحدة من الحصول على تأشيرات أو الدخول إلى قطاع غزة، ومختلف المناطق الفلسطينية.
لكن الأدهى أيضا أن شطب "أونروا" من مدينة القدس لا ينفصل عن محاولات إلغاء الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة، في سياقات إنتاج هوية جديدة، وهذا يعني أن علينا أن نتوقع إجراءات أسوأ داخل المدينة المحتلة على صعيد كل الوجود العربي ومؤسساته داخلها.
الجانب الذي لا يتحدث عنه أحد يرتبط بالدول المستضيفة، أي سورية ولبنان والأردن، وهذا يعني أن تدمير "أونروا" يعني تحميل الدول المستضيفة مسؤولية كل شيء، من حيث رعاية هؤلاء وتأمين الخدمات، بما يعنيه ذلك اقتصاديا، مثلما أن الجانب السياسي يعني التوطين الأزلي في تلك الدول عبر نزع المظلة الدولية عن اللاجئين، وملف اللجوء، وحق العودة، وقد نصل إلى مرحلة في دول جوار فلسطين، بما في ذلك الأردن، إلى تولي المسؤولية الإدارية والمالية لكل مؤسسات "أونروا" الموجودة، بما يعنيه ذلك من أزمات أكبر على صعيد الرواتب والمخصصات.
هذا ملف خطير وحساس، لا يكفي معه ندب الحظ والإدانة، لأن ستة ملايين لاجئ معترف بهم دوليا بكونهم لاجئين تتم تصفية تعريفاتهم الدولية في سياقات أكبر ستصل في سقفها الأعلى إلى التخطيط لتهجير المزيد من الفلسطينيين، وبدلا من أن يعود اللاجئون إلى ديارهم، يصير لازما الاستعداد للمخطط الإسرائيلي بإرسال المزيد من اللاجئين إلى كل دول جوار فلسطين.







