اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: "العقوبات": إدارة الندرة لإنتاج الخضوع..!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


الحصار ممارسة من أقدم وسائل الحرب وأكثرها قسوة. وتقوم فكرته على تطويق مجتمع وقطع موارده وانتظار أن يحوّل الجوع والحرمان المحاصَرين إلى أناس مهدومين غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم– أو قوة ضغط على قيادتهم باعتبارها السبب في محنتهم. وقد تطورت الوسائل بمرور الزمن، وبقي المنطق نفسه: إدارة الندرة لإنتاج الخضوع. والآن انتقل هذا المنطق من الحصار العسكري إلى المجال الاقتصادي تحت مسمى «العقوبات». وأصبح بالإمكان خنق اقتصاد دولة– ومواطنيها- عن طريق المصارف والأسواق، وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والتجارة، من دون الحاجة إلى نشر جيش على حدودها.
 

في الأصل، تنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول للعام 1977 إلى اتفاقيات جنيف للعام 1949 على حظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. وتبدو هذه القاعدة مخصصة لضبط ميادين النزاعات المسلحة، لكنها تطرح أسئلة إضافية عندما يتعلق الأمر بطبيعة القوة في النظام الدولي المعاصر: ثمة اتجاه متعاظم نحو استخدام الغذاء والطاقة والتجارة والتمويل والعملة كأدواتٍ لإخضاع الدول والمجتمعات بعيدًا عن أدوات الحرب العسكرية.
في الممارسة السائدة الآن– التي تتفرد بها الولايات المتحدة تقريبًا- يجري تقديم «العقوبات» باعتبارها وسيلة أقل عنفًا من الحرب، تستهدف الحكومات أو النخب أو المؤسسات الموصوفة بـ»الاستبداد» و»العدوانية»– كما يحددها صاحب التعريف- ولا تستهدف المدنيين. لكنّ الاقتصاد لا يعمل وفق الحدود التي ترسمها البيانات الرسمية. وعندما تُحرم دولة من الوصول إلى العملات والأسواق والاستثمار والتقنية والتجارة، فإن النتائج سترتد على الشركات والعمال والمستشفيات والمستهلكين. وعندما يضاف إلى ذلك تعريض المصارف والحكومات الأجنبية لاحتمال مواجهة عقوبات ثانوية إذا تعاملت مع الدولة المستهدفة، فإنها ستختار تجنب التعامل معها-حتى في المجالات المستثناة من العقوبات باسم الإنسان- اتقاءً للشبهة.
يكفي أن تجعل واشنطن– التي تحتكر تقريبًا فرض العقوبات- التعامل مع الدولة «المعاقبة» محفوفًا بمخاطر قانونية ومالية كبيرة حتى تشرع المؤسسات العالمية بالنأي بأنفسها عنها. ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى مراقبة ومنع كل صفقة مباشرة؛ ويكفيها أن تجعل الصفقة مكلفة أو خطرة بالنسبة للأطراف الثالثة لتُحكم الحصار. وهكذا يتحول النفوذ المالي الأميركي إلى شبكة إكراه تتجاوز حدود الجغرافيا الأميركية لتطبق على كل ركن في العالم.
في الحقيقة، يصعب تصور أن ترتيب «العقوبات» على الطريقة الأميركية «يستهدف النظام» وليس المواطنين. ومن الطبيعي أن تمتلك الطبقة السياسية النافذة من الأدوات ما يمكنها من التكيف مع الحصار، على النقيض من المواطن العادي. فهي تتمتع بقدرة الوصول إلى موارد الدولة، وإعادة توزيعها، واستخدام الاقتصاد الموازي وشبكات التهريب، وتوجيه الموارد النادرة إلى مؤسساتها الأساسية. وفي المقابل، يدفع الفقراء ومتوسطو الحال الثمن بمواجهة التضخم والبطالة، وانهيار الخدمات وارتفاع أسعار الغذاء والدواء وكل السلع. وتنتهي العقوبات غالبًا إلى إضعاف القطاع الخاص والطبقة الوسطى وهروب الكفاءات- نفس العناصر الاجتماعية التي ينبغي أن تنتج التحول السياسي المطلوب.
لا يمكن أن تكون «العقوبات» بآلياتها الحالية سوى «عقاب جماعي» صريح. ثمة مسؤول يتخذ قرارًا سياسيًا يقدّر الأميركيون أنه يهدد هيمنتهم، فيُعاقب على القرار طفل لا يستطيع والداه تحمل كلفة إطعامه أو علاجه. وبدلًا من استخدام عقوبات فردية مثل تجميد أصول مسؤول معين، يجري فرض عقوبات قطاعية أو شاملة تدمر سبل عيش الغالبية العظمى من المواطنين.
في العراق، بعد غزو الكويت في العام 1990، فرض مجلس الأمن – بدفع من الولايات المتحدة- نظام عقوبات شاملًا استمر حتى سقوط نظام صدام حسين في العام 2003. وفي ذلك الحين حذّر مسؤولون أمميون مُطلعون– من بينهم دينيس هاليداي، المنسق الإنساني للأمم المتحدة في العراق؛ وهانز فون سبونيك الذي خلفه في المنصب- من الكلفة الإنسانية الهائلة للعقوبات ومن عجز الاستثناءات عن حماية شروط الحياة الأساسية. وقد استقال المسؤولان من منصبيهما احتجاجًا على العقوبات في العامين 1998 و2000 على التوالي. وقد اختصرت مقابلة مادلين أولبرايت في العام 1996، حين قالت إن موت مليون طفل عراقي هو ثمن يستحق الدفع لإسقاط صدام، المنطق السياسي للعقوبات، الذي يعتبر موت المدنيين تكلفة مقبولة في حسابات تغيير الأنظمة.
تسمح آليات «العقوبات» باعتبار معاناة السكان أداة ضغط ضرورية – بل الأساسية لتحقيق الأهداف. وعندما تعمل العقوبات كوسيلة لإيلام الناس إلى حد يدفعهم إلى الثورة على حكامهم، فإن ألمهم يصبح جزءًا من آلية السياسة وليس عرَضًا جانبيًا لها. وفي الحقيقة، لا يخجل منظّرو العقوبات من التصريح بأن المواطنين في الدولة المستهدفة يستحقون المعاناة لأنهم قبلوا بأن يحكمهم النظام القائم. وفي الوقت نفسه بالضبط يصرح هؤلاء بأن الهدف من العقوبات هو تحرير الناس من نظام قمعي وغير شرعي لم يختاروه وفرض نفسه عليهم بالقوة الجبرية. وكثيرًا ما ينتج «الضغط» تمرد الناس على نظامهم، يقابله انقضاض النظام على مواطنيه بما يعنيه ذلك من الخسران الهائل للأرواح وفقدان الحاضر والمستقبل.
والنتيجة هي أن العقوبات تدمر قدرة المجتمع على التغيير الذي تزعم أنها تمكّنه. ويغلب أن يتسبب الحصار في إضعاف الاستقلال الاقتصادي للبلد المستهدف، وتهجير كفاءاته، وانهيار مؤسساته وزيادة اعتماد الناس على الدولة وبذلك تتحول أداة صُممت لإضعاف السلطة إلى تدمير نفس المجتمع الذي يفترض أن ينتج بديلها السياسي.
يستطيع كل مراقب رؤية أن نظام «العقوبات» الذي تفتق عنه العقل الأميركي الفوقي لا يضع حريات الشعوب واستقلالها في حساباته. وكمبدأ، يستحيل أن يجني أحد من الشوك العنب. ولا يمكن لنظام هيمنة استعماري في نشأته وممارساته أن يجلب الحرية والازدهار لأحد. وما تفعله الولايات المتحدة في كل سياساتها– المعلنة الآن بوضوح في «تروث سوشال» ترامب هو تدمير البلدان بمواطنيها وإعدام أي إمكانيات ومقدرات لديها إذا هي عارضت الهيمنة الأميركية– أو هددت الكيان الصهيوني المهدِّد للجميع عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط. وفي الحقيقة، للولايات المتحدة مصلحة شبه وجودية في بقاء الأنظمة الاستبدادية الأكثر قمعية ما دامت تضبط ملايين المواطنين الساخطين الرافضين لركوب أميركا على ظهورهم والسيطرة على أقدارهم.
«العقوبات» امتداد تاريخي لمنطق الحصار. وقد تغيرت الأدوات: تحولت الأسوار إلى قيود مصرفية، وأصبحت قوافل التموين سلاسل توريد، وتعطيل قدرة الوصول إلى الأسواق العالمية أنشوطة خنق. ومع الأدوات تغيرت اللغة: أصبح «الحصار» «ضغطًا اقتصاديًا»؛ و»الخنق» «عقوبات»؛ و»الإخضاع» «تغيير سلوك». وأصبح القتل بالتجويع ضرورة ديمقراطية والموتى «ثمنًا يستحق الدفع».
لقد استغرق القانون الدولي عقودًا طويلة ونضالات شاقة لإقرار مبدأ تحريم تجويع المدنيين كوسيلة حرب، لكنّ سياسات القوة الحالية تلتف على هذا التحريم باستخدام الاقتصاد كأداة حرب- التجويع بالمصارف والعملات وآليات السوق. ومن المعيب بما يكفي أن تتواطأ الأمم المتحدة بتمرير قرارات تحت ضغط أميركا، تشرعن العقوبات ضد دول لا تحبها أميركا. ومثلما تطالب الدول بإلغاء احتكار «حق النقض» في النظام، فإن عليها الاعتراض على ممارسة «العقوبات» بالطريقة السائدة، ومقاطعتها، وعدم التعاون في سلوك من الواضح أن المدنيين والأبرياء ومقدرات الدول هم أول وآخر ضحاياه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية