النعسان يكتب: ترامب يحوّل العالم إلى فاتورة
فراس النعسان
لو أرادت إدارة دونالد ترامب أن تكون صريحة تماماً مع نفسها، لربما كان عليها أن تغيّر اسم وزارة الخارجية الأميركية إلى «وزارة المبيعات والشؤون الخارجية». فالرجل الذي دخل البيت الأبيض مقتنعاً بأن كل شيء قابل للتفاوض، يبدو أنه قرر تطبيق هذه القاعدة على أكثر الأشياء تعقيداً في العالم: التحالفات، الحروب، الأمن، التجارة وحتى علاقة الولايات المتحدة بأصدقائها.
المشكلة ليست في أن ترامب رجل صفقات. المشكلة أنه يتعامل مع العالم كله كما لو أنه صفقة عقارية. هناك سعر، ودفعة مقدمة، وخصم إذا كان المشتري جيداً، وغرامة إذا تأخر عن الدفع. أما فكرة أن بعض العلاقات لا تقوم أصلاً على الربح والخسارة المباشرة، وأن التحالف قد يكون استثماراً طويل الأجل لا يظهر في كشف الحساب، فتبدو أقل جاذبية في عالم ترامب.
تحت هذه الرؤية، لم يعد الحليف حليفاً بالمعنى التقليدي، بل أصبح «عميلاً إستراتيجياً». القاعدة العسكرية الأميركية ليست جزءاً من منظومة أمنية مشتركة بقدر ما هي خدمة لها كلفة. والناتو ليس تحالفاً نشأ من تجربة تاريخية طويلة، بل اشتراك سنوي ينبغي أن يتأكد ترامب من أن الجميع دفع حصته منه. وحتى التجارة الدولية يمكن اختصارها في سؤال واحد: من يدفع لمن؟
وهكذا أصبحت التعرفة الجمركية أقرب إلى بطاقة الأسعار في السياسة الخارجية الأميركية، فإذا لم يعجبك موقف دولة ما، ارفع التعرفة، وإذا لم تقتنع، ارفعها أكثر. وإذا أصررت على موقفك، أعلن أن الولايات المتحدة «تخسر» منك. لا تحتاج المسألة إلى مؤتمر دبلوماسي طويل، يكفي جدول بيانات جيد وموظف في وزارة التجارة يعرف كيف يضع رقماً كبيراً في الخانة المناسبة.
لكن ترامب يواجه مشكلة صغيرة في هذه الطريقة، فالدول ليست شركات، والرؤساء ليسوا مديري مشتريات، والعلاقات الدولية لا تنتهي دائماً بتوقيع العقد. قد تستطيع إجبار دولة على إعادة حساباتها الاقتصادية، لكنك لا تستطيع إجبارها على أن تثق بك. وقد تستطيع أن تجعل حليفاً يدفع أكثر، لكنك لا تستطيع أن تضمن أنه لن يبدأ، في الوقت نفسه، بالبحث عن بدائل.
وهنا تكمن المفارقة.. ترامب يريد أن يجعل أميركا «أولاً»، لكنه يستخدم أدوات قد تدفع بعض حلفائها إلى التفكير في كيفية حماية أنفسهم من أميركا نفسها. فالقوة الأميركية لم تكن قائمة على حجم الاقتصاد والجيش فقط، بل على شبكة واسعة من العلاقات جعلت دولاً كثيرة ترى في واشنطن شريكاً يمكن الاعتماد عليه حتى عندما تختلف معه.
أما إذا تحولت كل علاقة إلى فاتورة، فقد يبدأ العالم بالتعامل مع أميركا بالطريقة نفسها التي يتعامل بها ترامب مع العالم، أي بمنطق الصفقة. وإذا كان العرض الأميركي يتغير كل أسبوع، فمن الطبيعي أن يبدأ الزبائن في البحث عن موردين آخرين.
ربما تحتاج وزارة الخارجية الأميركية، إذن، إلى شعار جديد ينسجم مع المرحلة: «نحن لا نبيع الصداقة، لكن يمكننا تسعيرها».
المشكلة أن الصداقة الدولية، بخلاف العقارات، لا يمكن استعادتها بمجرد دفع السعر المطلوب.







