الدباس يكتب: عندما يكون 70% من الـVape غير مصرح به… ماذا ندخن فعلا؟
د. جمال الدباس
بدأت السجائر الإلكترونية قبل سنوات كبديل حديث للسجائر التقليدية، وسرعان ما انتشرت بأشكال صغيرة وألوان جذابة ونكهات لا حصر لها، حتى أصبح الـVape مشهدا مألوفا بين الشباب.
لكن خلف الألوان والنكهات، هناك سؤال ربما يكون أهم من كل الجدل حول السجائر الإلكترونية:
هل نعرف فعلا ماذا يوجد في هذه الأجهزة التي يستنشقها الملايين؟
وكشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة NEJM Evidence الطبية المرموقة وهي من اشهر مجموعه طبيه عالميه ، في أغسطس الحالي 2026، رقما غير متوقع لحجم هذا السوق في امريكا ويستحق التوقف عنده:
نحو 70% من مبيعات السجائر الإلكترونية في قنوات التجزئة الأميركية التي شملتها الدراسة كانت لمنتجات غير مصرح بتسويقها من إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA.
والأكثر إثارة أن النسبة وصلت في السجائر الإلكترونية ذات الاستخدام الواحد Disposable Vapes إلى 97.6%.
أي أن القضية لم تعد فقط:
وهذه النتيجة تكشف جانبا مقلقا من سوق السجائر الإلكترونية؛ فالمشكلة ليست في حجم انتشارها فحسب، بل في أن نسبة كبيرة مما يباع قد تكون خارج إطار التصريح والرقابة.
فمن بين آلاف المنتجات المتداولة، ماذا نعرف فعلا عن محتواها، وتركيز النيكوتين فيها، ومدى خضوعها للمعايير والرقابة
آلاف المنتجات… وقليل منها مصرح به
وبحلول ديسمبر 2025، كانت نحو 70% من مبيعات السجائر الإلكترونية لمنتجات غير مصرح بها من FDA، وبلغت النسبة 97.6% بين الـDisposable Vapes. كما لم تكن النكهات الجاذبة للشباب، كالفاكهة والحلوى والنعناع، ضمن المنتجات المصرح بها.
وهنا تكمن الخطورة: منتج جذاب وسهل الاستخدام، لكنه قد يوصل النيكوتين المسبب للاعتماد والإدمان، خصوصا إلى الشباب
لكن هل الـVape مثل السيجارة؟
هنا تقدم التجربة البريطانية زاوية تستحق الاهتمام.
أما بريطانيا فاختارت نهجا عمليا يقوم على مفهوم Harm Reduction – تقليل الضرر: إذا تعذر التخلص من الخطر تماما، فلننتقل إلى الخيار الأقل ضررا .
والفكرة بسيطة:
إذا كان الشخص مدخنا بالفعل ولا يستطيع الإقلاع، فإن التحول الكامل إلى Vaping منظم أقل ضررا من الاستمرار في تدخين السجائر التقليدية.
فالاحتراق في السيجارة التقليدية يولد آلاف المواد الكيميائية، وكثير من الضرر الخطير للتدخين يأتي من نواتج الاحتراق، وليس من النيكوتين وحده.
ولهذا ترى الجهات الصحية البريطانية، وفي مقدمتها NHS، أن الـVaping أقل ضررا من التدخين التقليدي، سواء من حيث تعرض المدخن لنواتج الاحتراق أو تعرض المحيطين بدخان السجائر، ويمكن أن يساعد بعض المدخنين على الإقلاع. ، لكنه ليس خاليا من المخاطر.
لكن أقل ضررا لا يعني آمنا؛ فالـVape ليس خاليا من المخاطر. لذلك تنصح الجهات الصحية البريطانية غير المدخنين بعدم البدء به، وتؤكد ضرورة إبعاد الأطفال والمراهقين عنه. وهنا جوهر Harm Reduction وتقليل الضرر لدى المدخن.
.
فمن على حق… أميركا أم بريطانيا؟
لنعود إلى الدراسة الأميركية التي تقول:
إذا كان المنتج سيباع، فيجب أن نعرف ما هو، وما مكوناته، وأن يخضع للرقابة والتنظيم.
والفلسفة البريطانية تقول:
إذا كان المدخن البالغ غير قادر على الإقلاع، فقد يكون الانتقال الكامل إلى بديل منظم أقل ضررا من الاستمرار بالسجائر التقليدية.
وعندما نضع الفكرتين معا، نصل إلى موقف منطقي ومتوازن:
الأفضل صحيا ألا تدخن وألا تستخدم الـVape.
إذا كنت غير مدخن، فلا تبدأ.
إذا كنت شابا أو مراهقا، فالـVape ليس منتجا ينبغي الدخول إليه أصلا.
وإذا كنت مدخنا، فالأفضل الإقلاع تماما عن التدخين والنيكوتين، ولكن إذا تعذر ذلك، فإن الانتقال الكامل إلى بديل منظم يقلل الضرر مقارنة بالاستمرار في تدخين السجائر التقليدية.
وماذا عن الأردن؟
السجائر الإلكترونية ليست ممنوعة بالكامل في الأردن، وإنما تخضع للتنظيم والضرائب والاشتراطات، كما هي الحال بدرجات مختلفة في دول عديدة.
لكن الدراسة الأميركية تطرح علينا سؤالا مهما:
إذا كانت الولايات المتحدة، بما لديها من FDA وإمكانات رقابية هائلة، وجدت أن قرابة 70% من المبيعات في القنوات التي دُرست تعود لمنتجات غير مصرح بها… فماذا يوجد فعليا في أسواقنا؟
ما نسبة المنتجات المرخصة والمطابقة للمواصفات؟
هل كمية النيكوتين المكتوبة على العبوة تطابق ما بداخلها؟
ماذا تحتوي السوائل والنكهات؟
ما حجم المنتجات غير النظامية أو المهربة؟
وكم يستخدمها من طلبة المدارس والجامعات؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن نجيب عنها بالتخمين.
نحتاج إلى بيانات ودراسات أردنية، وفحوص مخبرية، ورقابة سوق، ودراسات علمية حقيقية.
وربما هنا تكمن الرسالة الأهم من الدراسة كلها:
لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى معركة: سيجارة أم Vape؟
فالسيجارة التقليدية شديدة الضرر، والـVape ليس منتجا صحيا، و**«أقل ضررا» لا تعني «آمنا»**.
السياسة الصحية الذكية هي التي تفرق بين حالتين مختلفتين تماما:
مدخن نحاول إخراجه من ضرر أكبر،
وشاب غير مدخن يجب ألا ندخله أصلا إلى عالم النيكوتين.
وقبل أن نسأل أبناءنا:
لماذا تستخدمون الـVape؟
ربما علينا كأطباء وأسر ومجتمع وجهات رقابية أن نسأل أولا:
ماذا يباع لهم فعلا… ومن يراقبه؟
المصدر: NEJM Evidence | August 11, 2026 | DOI: 10.1056/EVIDpha2600137 al. NEJM







