اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

تهاني روحي تكتب: هل طريق المدرسة اختبار للشجاعة؟

{title}
أخبار الأردن -

 

تهاني روحي


مع بداية العام الدراسي، يعود آلاف الطلبة إلى مدارسهم سيرًا على الأقدام. بعضهم يعبر شوارع داخل الأحياء، وبعضهم يمر بأراضٍ فارغة أو حاويات نفايات مكشوفة. وفي رحلة يفترض أن تكون عادية وآمنة، بات الخوف من تجمعات الكلاب الضالة يرافق عددًا متزايدًا من الأطفال وأسرهم. فهل أصبح الوصول إلى المدرسة اختبارًا يوميًا للشجاعة؟
 

المسألة لم تعد شكاوى متفرقة أو مشاهد عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تمس حق الطفل في الوصول الآمن إلى مدرسته، ومسؤولية البلديات والمؤسسات المعنية عن توفير هذا الأمان. وما شهدته مناطق في إربد والرمثا من هجمات طالت طلبة ومعلمة، إلى جانب حوادث أخرى لأطفال نُقلوا إلى المستشفيات، يكشف أن الخطر حقيقي ولا يحتمل أن ننتظر حادثة جديدة كي نتحرك.
وفي بيانات رسمية، سُجلت 2170 حالة خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2025. ولا تكمن الخطورة في الإصابة وحدها، فداء الكلب، أو السعار، خطرا جدا، وهو ما يجعل الوقاية والتطعيم والاستجابة السريعة ضرورة صحية لا مجال للتهاون فيها.
أمام هذا الواقع، ينقسم النقاش بين من يطالب بإبادة الكلاب حفاظًا على سلامة الناس، ومن يرفض قتلها باعتباره انتهاكًا لحقها في الحياة. لكن وضعنا أمام خيار زائف ما بين حماية الإنسان والرأفة بالحيوان. فسلامة أطفالنا أولوية لا تقبل المساومة، كذلك، المسؤولية الأخلاقية تجاه الحيوان والبيئة لا تتعارض معها، بل تفرض علينا البحث عن حل يحمي الإنسان ولا يحول الخوف إلى قسوة.
وبحسب الطبيب البيطري الدكتور نسيم نعيمي، مدير عيادة (بست فرند) البيطرية، فإن التوسع العمراني وتداخل البيئات الطبيعية مع الأحياء السكنية، إلى جانب سوء إدارة النفايات وبقايا الطعام، عوامل أساسية تدفع الكلاب والحيوانات البرية إلى الاقتراب من المنازل والمدارس. فالحاويات المكشوفة والطعام المهدور لا تجذب هذه الحيوانات فحسب، بل تغيّر أنماط تجمعها وسلوكها، وتحول بعض الشوارع إلى مصادر دائمة للغذاء.
من هنا، لا يبدأ الحل من مطاردة الكلاب بعد ظهورها، بل من إزالة الأسباب التي تجذبها: إغلاق الحاويات، وتنظيم جمع النفايات، ومنع تراكم مخلفات المطاعم والمسالخ وأسواق الخضار قرب التجمعات السكنية، وتنظيف الأراضي المحيطة بالمدارس. فما جدوى نقل مجموعة من الكلاب من شارع إلى آخر، إذا بقيت البيئة نفسها تستدعي مجموعات جديدة؟
أما المسار الثاني، فيتمثل في برنامج وطني منظم لحصر أعداد الكلاب وتوزعها، ثم إمساكها وتعقيمها وتطعيمها ضد السعار وترقيمها ومراقبتها. ويمكن بعد التقييم البيطري إعادة الكلاب السليمة وغير العدوانية إلى نطاقاتها، مع عدم إعادة الكلاب المريضة أو شديدة العدوانية إلى محيط المدارس والمستشفيات والمناطق المكتظة. فالتعقيم وحده يحد من التكاثر، لكنه لا يغني عن التطعيم ولا عن التعامل الفوري مع مصدر الخطر.
ومع افتتاح المدارس، نحتاج إلى إجراءات عاجلة، مسح محيط المدارس والمسارات التي يسلكها الطلبة، وإزالة مصادر الطعام والنفايات، وتخصيص فرق سريعة للتعامل مع البلاغات، وإبعاد الكلاب التي تظهر سلوكا عدوانيا أو أعراضا مرضية. كما تحتاج المدارس إلى إرشادات بسيطة تعلّم الأطفال كيف يتصرفون عند مواجهة الكلاب من دون استفزازها أو الهرب بطريقة قد تزيد الخطر.
إن الاستثمار في هذه الحلول هو حماية مباشرة لأطفالنا، وتقليل لكلفة علاج حالات العقر ولقاحات السعار، وتجسيد لمفهوم «الصحة الواحدة» الذي يربط بين سلامة الإنسان وصحة الحيوان ونظافة البيئة.
فالطريق الآمن إلى المدرسة ليس ترفًا، ولا ينبغي أن يتوقف على قدرة كل أسرة على إيصال أبنائها بالسيارة. كما أنه لا يتحقق بحملات انفعالية تؤذي الحيوان من دون أن تعالج جذور المشكلة. والسؤال كيف سيمشي أبناؤنا إلى مدارسهم بلا خوف؟

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية