المجالي يكتب: الأردن هو الأردن وفلسطين هي فلسطين
حسان سلطان المجالي - مستشار قانوني
ليس في القول إن الأردن هو الأردن وفلسطين هي فلسطين أي معنى للعنصرية أو التفرقة أو التنكر للروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين كما يحاول البعض أن يصوّر الأمر ، بل إن هذه العبارة، في أصلها هي تعبير عن حقيقة سياسية وقانونية لا يجوز القفز فوقها بالشعارات والعواطف ....
فالأردن دولة ذات سيادة هي المملكة الأردنية الهاشمية ، لها إقليمها وشعبها ونظامها الدستوري ومؤسساتها وحدودها المعترف بها دولياً ، وفلسطين قضية شعب له هويته الوطنية وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ، وهذا ليس موقفاً أردنياً عابراً ، بل هو أيضاً منسجم مع قرارات الأمم المتحدة التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته ، ومع الموقف الدولي المتزايد تأييداً لحل الدولتين ، وقد أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول 2025 التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ، بما في ذلك حقه في دولته المستقلة ....
والأهم أن نعلم جميعاً بأن الهوية الوطنية الفلسطينية ليست اختراعاً سياسياً حديثاً ولا ورقة تفاوضية حتى يجري استبدالها بهوية أخرى متى شاءت الظروف ، وفلسطين اليوم تتمتع في الأمم المتحدة بصفة دولة مراقب غير عضو ، وقد اعترفت بها حتى نهاية تموز 2025 وفق تقرير أممي 147 دولة عضواً في الأمم المتحدة ، ثم شهد عام 2025 موجة اعترافات جديدة ....
لذلك فإن محاولة إذابة الهوية الفلسطينية في إطار جغرافي أو سياسي آخر تحت أي شعار لا يخدم بالنتيجة إلا مشروعاً خطيراً وهو تحويل القضية من قضية شعب واقع تحت الاحتلال وله حق في دولته ، إلى مجرد "قضية سكانية" يجري البحث عن مكان آخر لتوطينها فيه ....
وهنا تحديداً تصبح عبارة "الأردن ليس وطناً بديلاً" ليست مجرد شعار سياسي ، وإنما موقفاً وطنياً وقانونياً له جذوره في طبيعة الدولة الأردنية وفي الموقف الأردني التاريخي من القضية الفلسطينية .....
فك الارتباط ليس تفصيلاً تاريخياً ..
ومن الخطأ ، بل من الخطورة السياسية والقانونية ، التعامل مع قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988 وكأنه مجرد إجراء إداري داخلي أو قرار انتخابي ....
ففي 31 تموز 1988 أعلن الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، باستثناء ما يتعلق بالوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس ، وكان القرار مرتبطاً بصورة مباشرة بتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية وإعطاء منظمة التحرير الفلسطينية المجال لتحمل مسؤولياتها السياسية تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته ....
والدلالة القانونية والسياسية الأهم أن هذا القرار لم يكن إعلاناً عن تخلي الأردن عن فلسطين ، بل كان إعادة تحديد للمسؤوليات السياسية والقانونية ....
فمنذ قمة الرباط عام 1974 أصبح هناك موقف عربي يقر بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني ، وهو ما انعكس على الدور الأردني تجاه الضفة الغربية ،ثم جاء قرار فك الارتباط ليؤكد الاتجاه نحو إبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية وتمكين الفلسطينيين من تحمل مسؤولية قضيتهم السياسية ....
وبالتالي ، فإن الضفة الغربية في المنظور السياسي والقانوني الذي استقر بعد ذلك بأنها ليست جزءاً من الإقليم الأردني الذي تمارس عليه الدولة الأردنية سيادتها ، وإنما هي جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة ، والشعب الفلسطيني هو صاحب الحق في تقرير مصيره عليها ....
وهذا التفريق بالغ الأهمية لأن الوقوف مع فلسطين لا يعني المطالبة بإعادة إنتاج وحدة سياسية انتهت ، كما أن التأكيد على الهوية الأردنية لا يعني بالضرورة التخلي عن فلسطين ،، بل العكس تماماً لأن وضوح الهويتين يقوي الموقفين ....
الأردني الذي يتمسك بهوية بلاده لا يسيء إلى الفلسطيني ، والفلسطيني الذي يتمسك بهويته الوطنية لا ينتقص من الأردن ....
فنحن لا نريد وطناً بديلاً ، ولا نريد فلسطين بلا دولة ...
لذلك فإن المشكلة الحقيقية ليست في أن يقول الأردني أنا أردني وفلسطين للفلسطينيين ، وإنما في أن يصبح هذا القول ممنوعاً أو مشبوهاً ، بينما تُترك الساحة لشعارات فضفاضة يمكن أن تُستخدم سياسياً لطمس الحدود بين مفهوم الدولة ومفهوم الشعب والقضية ....
نحن أمام مشروع إسرائيلي معلن ومتواصل لتغيير الوقائع على الأرض وفرض واقع يحول دون قيام الدولة الفلسطينية ، وفي مواجهة ذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يُطلب من الأردن أن يتحول تحت ضغط الأمر الواقع أو تحت غطاء الشعارات إلى البديل عن الدولة الفلسطينية .... ومثل هذا لن يحل القضية الفلسطينية ، بل سيقتلها ....
فإذا أصبح الأردن هو البديل ، فما الحاجة إلى دولة فلسطينية .؟
وإذا ذابت الهوية الفلسطينية في هوية أخرى ، فمن أين يأتي الشعب الذي يطالب بحقه في تقرير المصير .؟
وإذا تحولت الضفة الغربية إلى مجرد ذكرى سياسية ، فمن يبقى صاحب الحق فيها .؟
هذه ليست أسئلة عاطفية ، وإنما أسئلة سياسية وقانونية في صميم الصراع على مستقبل المنطقة .... فالأردن لا يتخلى عن فلسطين عندما يتمسك بهويته ، لأن الأردن يستطيع ، بل يجب عليه أن يكون في أقصى درجات دعمه للشعب الفلسطيني ، وفي الوقت نفسه في أقصى درجات تمسكه بهويته الوطنية وسيادته واستقلاله ....
فالدولة الأردنية لا تحتاج إلى التنازل عن هويتها حتى تثبت عروبتها ، ولا تحتاج إلى دمج هويتها بالهوية الفلسطينية حتى تثبت وقوفها مع فلسطين ...
والأردني لا يحتاج إلى أن يكون أقل أردنية حتى يكون أكثر دعماً لفلسطين ....
كما أن الفلسطيني لا يحتاج إلى أن يتنازل عن فلسطينيته حتى يكون قريباً من الأردن ....
هناك فرق بين وحدة الدم والمصير ، وبين وحدة الدولة والسيادة ....
وهذا الفرق يجب أن يبقى واضحاً ، لأن السياسة لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها ، والقانون لا يعرف "الهوية الجامعة" إذا تحولت إلى أداة لإلغاء الهوية الوطنية للدول والشعوب ....
لقد كان قرار فك الارتباط عام 1988 في جوهره خطوة باتجاه إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية وتعزيز قدرة الفلسطينيين على تمثيل قضيتهم ، وليس خطوة باتجاه إلغاء فلسطين ، ومن ثم فإن الدفاع اليوم عن الهوية الوطنية الأردنية ليس خروجاً على الموقف التاريخي من فلسطين ، بل هو استمرار منطقي له ....
الأردن هو الأردن ، وفلسطين هي فلسطين ولسنا وطناً بديلاً لأحد ،، ثوابت وطنية وضعها جلالةالملك عبدالله الثاني إبن الحسين ....
للأردن دولته وشعبه وسيادته وهويته الوطنية ...
ولفلسطين شعبها وهويتها الوطنية وحقها في تقرير المصير وإقامة دولتها المستقلة ....
أما القدس ومقدساتها، فتبقى للأردن مسؤولية تاريخية ودينية ثابتة في إطار الوصاية الهاشمية ، وهي مسؤولية لا تتعارض مع الحق الفلسطيني ، بل تشكل جزءاً من الدور الأردني في حماية المقدسات وصون هويتها العربية والإسلامية ....
وفي زمن تُشن فيه معركة حقيقية على الأرض وعلى الهوية وعلى الرواية ، فإن أكثر ما نحتاج إليه ليس الشعارات المائعة ، ولا المجاملات السياسية ، ولا اتهام كل من يتحدث عن الهوية الوطنية بالعنصرية ،،، بل نحتاج إلى وضوح قانوني وسياسي صارم مفاده :
لا وطن بديل في الأردن ...
ولا وطن فلسطيني بديل عن فلسطين ....
ولا دولة أردنية بلا هوية أردنية ،
ولا قضية فلسطينية بلا هوية فلسطينية ....
ولا سلام حقيقياً من دون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ...
هذه ليست عنصرية ....
هذه هي السياسة عندما تتحدث بلغة القانون ، وهي الوطنية عندما تعرف حدودها ، وهي نصرة فلسطين عندما نرفض أن تكون فلسطين هي الخاسر النهائي في أي تسوية ....
والله المستعان .
حسان سلطان المجالي
مستشار قانوني







