اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ناصر الدين يكتب: الطريق إلى الصين

{title}
أخبار الأردن -

 

يعقوب ناصر الدين


تقول حكمة صينية قديمة «أفضل وقت لزراعة شجرة كان قبل 20 سنة، والوقت الثاني الأفضل هو الآن». والآن، بالنسبة لنا في الأردن يتمثل في الزيارة شديدة الأهمية التي قام بها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لجمهورية الصين الشعبية، والتي تأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة والعالم، حيث انتظار مآلاته من جانبنا في الأردن ليس سوى مضيعة للوقت، ومن هذه الناحية يمكن التأكد من أن الطريق إلى الصين سالك ومزدهر، وأن الأشجار على جانبيه يانعة ومثمرة!
 

على مدى سنوات طويلة لم تكن العلاقات الأردنية الصينية موصوفة بمحددات واضحة باستثناء استيراد المصنوعات منخفضة التكلفة التي كان التجار الأردنيون يستوردونها من هناك، واستمر هذا الحال إلى أن زرع جلالة الملك أول غرسة لعلاقات تعاون حقيقي قائم على أبعاد إستراتيجية خلال العام 2002، ومنذ ذلك الحين ظل جلالته يتابع بنفسه تلك الشجرة وهي تنمو من عام إلى عام، ويغرس المزيد منها في كل مرة، أي في تسع مرات، كانت الصين نفسها تواصل طريق النمو إلى أن بلغت المرحلة التي هي عليها اليوم، بلدا يتصدر عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتجارة العالمية، ويقود مبادرة الحزام والطريق بأبعادها الإستراتيجية والتنموية والاقتصادية، لتربط القارات الثلاث (آسيا وأفريقيا وأوروبا) عبر شبكة ضخمة من البنية التحتية والموانئ والممرات التجارية، إحياء لطريق الحرير القديم!
لقد كان برنامج الزيارة الملكية حافلا بالزيارات للشركات الصناعية والتكنولوجية الكبرى والمحادثات المثمرة لتعزيز التعاون والشراكة الأردنية الصينية، إلى جانب المحدثات مع قادة الحزب الشيوعي الصيني، والمجلس الوطني لنواب الشعب، وفي ذلك دلالة على توسيع قاعدة العلاقات لتشمل مكونات الدولة كلها، ولتكتمل صورة التعاون فتشمل الأبعاد السياسية والفكرية والثقافية، وتترجم المعنى الصحيح للتعاون الإستراتيجي في عمقه واتساعه ونتائجه.
المباحثات بين جلالة الملك والرئيس الصيني (شي جين بينغ) تمثل ذروة هذه الزيارة الاستثنائية في موعدها الثنائي، وفي توقيتها المرتبط بالأزمات الإقليمية والتطورات في منطقة الشرق الأوسط على إثر الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية وتداعياتها الخطيرة على الأمن والاستقرار والاقتصاد العالمي ، فهناك الكثير من القيم المشتركة التي تجمع بين الزعيمين بشأن التمسك بالقوانين والأعراف الدولية لحل الأزمات عن طريق التفاوض السلمي، والعمل من أجل جعل التعاون والتفاهم سبيلا لخدمة الحياة الإنسانية، وتبادل المصالح وإقامة المشروعات المشتركة لصالح الشعوب، بدل استخدام القوة المدمرة والحروب التي تعمق الكراهية والأحقاد والويلات والمآسي لعقود من الزمن.
ولا شك أن جلالة الملك يأمل من الرئيس الصيني أن يستخدم مكانته ومكانة بلده للضغط في اتجاه وقف التصعيد الناجم عن الملف الإيراني، وعن الاعتداءات الإسرائيلية، وخاصة على غزة والقدس ومقدساتها والضفة الغربية، والدفع في اتجاه حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني على أساس حل الدولتين، وذلك الأمل معقود على رئيس يدرك المبادئ التي ينطلق منها جلالة الملك من أجل تعظيم القوة الأخلاقية، وجعلها في مرتبة أعلى من القوة العسكرية والاقتصادية والمالية، وضابطة لها مهما بلغ شأنها.
ما يهمنا في هذه المرحلة هو أن نفهم العمق الحقيقي للنهج الذي يقوده جلالة الملك بنفسه للخروج من مأزق الوضع الراهن بفتح الطرق المغلقة، وتوسيع الطرق المفتوحة لكي يعبر الأردن منها إلى فضاءات التعاون والشراكة التي تعزز قدراته في مواجهة التحديات وما تحتاجه من عزيمة وإرادة قوية لتجاوزها، وهذا التوجه يفرض على مكونات اقتصادنا الوطني مجتمعة ترتيب الأولويات على هذا الأساس!

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية