سبايلة يكتب: العقوبات على إيران.. حين يتحول الضغط الخارجي لصراع داخلي
د.عامر سبايلة
لم تعد العقوبات الأميركية على إيران مجرد أداة للضغط الاقتصادي، بل تبدو واشنطن وكأنها تنتقل تدريجياً من سياسة الإنهاك لمحاولة التجفيف، عبر استهداف المنظومة التي سمحت لطهران لسنوات بالتحايل على العقوبات والحفاظ على مصادر تمويلها. المواجهة لم تعد تقتصر على النفط والبنوك والبتروكيماويات، وإنما تمتد للشركات الوهمية، وأساطيل الظل، وشبكات الصرافة، والعملات المشفرة، والأفراد والكيانات التي تشكل امتداداً لشبكات التمويل الإيرانية من تركيا للبنان وغيرها.
ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة هو أن الولايات المتحدة تبدو أكثر قدرة على تحديد هذه الشبكات ومسارات عملها. ولذلك فالهدف لم يعد مصادر الدخل فقط، وإنما البيئة التي تسمح لإيران بالاستمرار بالعمل رغم العقوبات، بما فيها الأطراف والشركات التي توفر لها مساحة للمناورة. وهذا يعني أن الضغط الأميركي قد لا يتوقف عند الحدود الإيرانية، ويمكن أن يطال كل من يساعد طهران بإبقاء قنوات التجارة والتمويل مفتوحة.
سابقا، راهنت واشنطن على الضغط وإبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً. اليوم، وبعد سنوات من المفاوضات التي لم تُفضِ لنتائج حاسمة، يبدو أن الصبر الأميركي يتراجع، وأن الضغط الاقتصادي بات جزءاً من استراتيجية أوسع تجمع بين العقوبات والدبلوماسية والقوة العسكرية. فالقوة لا تلغي التفاوض، بل قد تكون الوسيلة التي تعيد تحديد شروطه وحدوده.
هنا تظهر أهمية عامل الزمن. إيران التي اعتادت الصمود والمناورة لا تدخل هذه المرحلة من موقع اقتصادي مريح، بل بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وحرب أضافت أعباء اقتصادية وأمنية جديدة. وإذا نجحت واشنطن بتقليص منافذ التحايل ورفع تكلفة استخدامها، فيمكن تحول العقوبات من أداة ضغط لأزمة اقتصادية اجتماعية تضرب قدرة النظام من الداخل.
لكن المعركة لن تكون سهلة، فقد بنت إيران على مدى عقود منظومة معقدة للتعامل مع العقوبات، تضم شركات واجهة وأساطيل ظل وشبكات مالية وتجارية، وتوفر علاقتها بالصين منفذاً مهماً للحركة الاقتصادية. ولذلك لا يتعلق الأمر بإغلاق كل منفذ أمام طهران، وإنما بتقليص عدد المنافذ ورفع تكلفة استخدامها إلى مستوى يجعل الالتفاف على العقوبات أكثر صعوبة.
اللافت أن الضغوط بدأت تنعكس على الخطاب السياسي الإيراني نفسه. عندما يدعو الرئيس مسعود بيزشكيان لإنهاء الحرب، ويوجه انتقادات لمن يعرقلون الوصول لاتفاق، فإنه لا يخاطب الخارج فقط، وإنما يفتح نقاشاً داخل إيران حول من يملك القرار، ومن يتحمل مسؤولية استمرار الأزمة.
بيزشكيان يحاول تقديم نفسه باعتباره قريباً من المواطن الذي سيدفع ثمن استمرار الحرب وعودة العقوبات، كما يبعث برسالة مفادها أن تأخير الاتفاق قد يجعل شروط التفاوض أكثر صعوبة. فهو لا يريد أن تظهر إيران وكأنها تستسلم تحت الضغط، بل القول إن التوصل لاتفاق الآن قد يكون أفضل من الانتظار لمرحلة تصبح فيها طهران أمام ظروف أكثر قسوة.
هنا تتحول العقوبات والحرب إلى عاملين يمكن أن يعيدا ترتيب التوازنات السياسية داخل إيران. فكلما طال أمد الأزمة، ازدادت كلفة القرار السياسي، وبرزت أسئلة أكثر حساسية حول الجهة التي تحدد اتجاه البلاد، خصوصاً مع غموض يحيط بمراكز القرار داخل النظام.
في المقابل، ما تزال إيران تملك أوراقاً مهمة، من علاقاتها الدولية لشبكاتها الاقتصادية وخبرتها الطويلة بالالتفاف على العقوبات. الخيار العسكري الأميركي، كذلك، ما يزال حاضراً، حتى عندما لا يُستخدم مباشرة، لأن بقاء القوة الأميركية بالمنطقة يمنح العقوبات والدبلوماسية وزناً إضافياً.
المعركة المقبلة قد لا تكون مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل معركة على الزمن داخل إيران نفسها. والسؤال الحقيقي لم يعد فقط ما إذا كانت الولايات المتحدة ستفرض مزيداً من العقوبات، وإنما ما إذا كانت ستتمكن من إغلاق عدد كافٍ من منافذ التحايل بحيث تتحول العقوبات من أداة ضغط لأزمة شاملة.
عندها، قد يصبح الضغط الخارجي مدخلاً لصراع داخلي على القرار نفسه. ويبقى السؤال: هل تستطيع طهران الصمود إلى أن تتغير المعادلة، أم أن الضغط الأميركي يضع عامل الزمن هذه المرة في غير مصلحتها؟







