الطراونة يكتب: باب مهم لخفض معدلات البطالة
مكرم أحمد الطراونة
يقدم تقرير التنمية العالمي 2026، الصادر عن مجموعة البنك الدولي، فرصة مختلفة للنظر إلى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأردني، فهو يصنف الأردن ضمن مراكز تصدير الخدمات الإقليمية، ويرى إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في رفع إنتاجية العاملين، وتطوير الخدمات الرقمية والمعرفية، وتوسيع صادراتها. لكنه يشير إلى أن تبني الشركات الأردنية لهذه التكنولوجيا ما يزال منخفضا نسبيا.
تكمن الفرصة بقدرة الأردن على استخدام التكنولوجيا لتعظيم ميزة يمتلكها أصلا في قطاع الخدمات وتحويلها إلى نمو اقتصادي وفرص عمل، ما يكسبها أهمية خاصة عندما ننظر إليها من زاوية مشكلة البطالة. الأردن لا يعاني نقصا في المتعلمين بقدر ما يعاني محدودية قدرة الاقتصاد على توليد وظائف تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
السوق الأردنية محدودة الحجم، وأي سياسة للتشغيل تعتمد بصورة رئيسية على الطلب المحلي ستصطدم في النهاية بسقف هذه السوق. لذلك يصبح تصدير الخدمات مسارا مهما لتجاوز هذا القيد، لأن الشركة الأردنية التي تستطيع بيع خدماتها في الخليج أو أوروبا أو الولايات المتحدة أو غيرها، تصبح قدرتها على النمو غير مرتبطة حصرا بحجم الطلب داخل المملكة.
الذكاء الاصطناعي بإمكانه إحداث فارق إذا استطاعت شركة أردنية أن ترفع إنتاجية موظفيها، وتخفض كلفة الخدمة، وتحسن جودتها وسرعة إنجازها. التكنولوجيا قد تخفض الحاجة إلى بعض الوظائف، لكن في المقابل يمكن أن تخلق طلبا على وظائف ومهارات جديدة إذا ما استخدمت لزيادة المبيعات، والوصول إلى أسواق جديدة، وتطوير خدمات ومنتجات جديدة، فارتفاع الإنتاجية يمكن أن يتحول إلى توسع اقتصادي وطلب إضافي على العمل.
أحد أهداف السياسة الاقتصادية الأردنية يمكن أن يكون مستقبلا في توجيه استخدام الذكاء الاصطناعي نحو توسيع السوق أمام الشركات، ما يقود إلى مسألة التدريب، فمن الخطأ الاعتقاد أن مواجهة التحولات الجديدة تقتضي تدريب عشرات الآلاف من الشباب على "الذكاء الاصطناعي" بصورة عامة. مثل هذا التدريب لا يخفض البطالة ما لم توجد حاجة اقتصادية إلى المهارات التي يتم تدريسها. المطلوب أن تبدأ برامج التدريب من الوظائف والقطاعات التي يوجد عليها طلب فعلي، ثم تحدد المهارات التي يغيرها الذكاء الاصطناعي داخل هذه الوظائف.
يمكن البناء هنا على ميزة وجود قاعدة واسعة من الشباب المتعلمين، فإذا أمكن تقليص الفجوة بين المؤهلات التي يحملها هؤلاء والمهارات التي تطلبها الشركات القادرة على العمل في الأسواق الخارجية، فإن جزءا من مشكلة البطالة يمكن تحويله إلى مصدر للقوة التنافسية، ما يتطلب علاقة مختلفة بين الجامعات والقطاع الخاص، فلا يكفي أن تضيف الجامعات مساقات عامة عن الذكاء الاصطناعي إلى خططها الدراسية، وإنما ينبغي أن تتابع كيف تغير هذه التكنولوجيا المهن نفسها.
لكن تأهيل الشباب يمثل نصف المعادلة فقط، بينما يتعلق النصف الآخر بالشركات، إذ ينبغي مساعدة المؤسسة على إدخال التكنولوجيا في أعمالها. يمكن التفكير في برامج موجهة للشركات التي تمتلك إمكانية حقيقية للنمو والتصدير، تساعدها على تشخيص عملياتها، وتحديد المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع إنتاجيتها فيها، وتدريب العاملين، وربط أي حوافز أو تمويل بنتائج قابلة للقياس، مثل زيادة الصادرات أو التوسع في التشغيل.
يمكن للأردن، كذلك، أن يعمل على تحديد عدد معين من الخدمات التي يمتلك فيها ميزة تنافسية قابلة للتطوير، بدلا من توزيع الجهد على جميع المجالات. معيار الاختيار ينبغي أن يجمع بين وجود مهارات أردنية يمكن تطويرها، ووجود طلب خارجي قابل للنمو، وإمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية والجودة في تلك الخدمة.
الفرصة الحقيقية تكمن أن يصبح الأردن أكثر قدرة على إنتاج وتصدير الخدمات باستخدام الذكاء الاصطناعي، من خلال أصول يمتلكها بالفعل، ويعمل على تحسينها. وفي بلد تتجاوز فيه البطالة خمس قوة العمل، فإن تعظيم مثل هذه الفرصة ينبغي النظر إليه باعتباره جزءا من سياسة التشغيل والنمو في السنوات المقبلة.







