أبو زينة يكتب: سنوات النار: من اليسار إلى الإسلام السياسي
علاء الدين أبو زينة
نشر موقع «مركز كارنيغي للشرق الأوسط» مؤخرًا مقابلة أجراها مايكل يونغ، مدير مدونة «ديوان» التابعة للمركز، مع الصحفي البريطاني جيسون بيرك Jason Burke. وتركز الحوار على مضامين كتاب بيرك الصادر حديثًا بعنوان «الثوريون» The Revolutionists (2026)، الذي يبحث في الجماعات والحركات الراديكالية التي طبعت سبعينيات القرن العشرين وبدايات الثمانينيات في الشرق الأوسط. ويقدم الكتاب قراءة غربية «خارجية» لصحفي عمل لسنوات مراسلًا خارجيًا لصحيفة «الغارديان»، وتخصص في قضايا «الإرهاب» والحركات الإسلامية والصراعات في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، وكتب من موقع الحدث.
بحسب ما يكشف الحوار، يقرأ كتاب بيرك تلك المرحلة من القرن المنصرم كلحظة تاريخية واحدة من الغليان الثوري العالمي، جمعت تيارات بدت لاحقًا متباعدة كلية: اليسار الماركسي؛ والإسلام السياسي؛ وحركات التحرر الوطني؛ والتنظيمات المسلحة العابرة للحدود. ويرى بيرك أن وضع هذه التيارات في إطار تحليلي واحد يسمح بفهم التحولات التي صنعت المشهد السياسي في الشرق الأوسط لعقود لاحقة.
الفكرة المركزية في أطروحة بيرك هي أن اليسار والإسلاميين- رغم اختلاف مصادرهما الفكرية ومرجعياتهما العقائدية- تشاركا في لحظة تاريخية معينة مشروعًا ثوريًا شاملًا يهدف إلى إعادة بناء المجتمع والسياسة والاقتصاد والثقافة. وكان العداء للولايات المتحدة والكيان الصهيوني أحد أبرز نقاط التقاطع بينهما. بل يقترح أن الإسلاميين تأثروا باليسار أكثر مما توحي به الصورة الشائعة عن نشأتهم؛ فاستعاروا منه مفاهيم ومفردات وأساليب تنظيم وتعبئة. كما انتقل عدد من ناشطي اليسار إلى الإسلام السياسي الراديكالي- خصوصًا في لبنان خلال مرحلة تراجع اليسار وانهيار قدرته على تقديم مشروع تغييري مقنع.
يفسر بيرك العنف السياسي المعاصر بفكر: القمع لا يلغي الحاجة إلى التغيير؛ وإنما يعيد توجيهها فحسب. عندما تُغلق الدول المجال أمام الاحتجاج السياسي، وتُفكك التنظيمات القادرة على التعبير عن المظالم، فإن ذلك لا يلغي الطاقة الاحتجاجية التي تعاود التعبير عن نفسها في تنظيمات جديدة ولغة جديدة- وأحيانًا بأدوات أكثر عنفًا. ويمكن على هذا الأساس فهم انتقال قطاعات من الراديكاليين من اليسار إلى الإسلام السياسي باعتباره تحولًا في الحامل الأيديولوجي للمشروع الثوري أكثر من كونه فقدانًا للرغبة في الثورة.
في موقف متصل، يرفض بيرك استخدام وصف «إرهابي» كصفة تختزل الفرد في هوية واحدة، حيث كثيرًا ما يتحول المصطلح إلى أداة سياسية تستخدمها الدول ضد خصومها. ويشير إلى أن الفرنسيين وصفوا المقاومين الجزائريين بالإرهابيين، كما فعل الأميركيون ذلك في فيتنام، ويستخدم الكيان المصطلح لوصف الفصائل الفلسطينية المسلحة. ويفضّل بيرك استخدام «الإرهاب» لوصف تكتيك محدد يقوم على العنف أو التهديد به لبث الخوف بين المدنيين والتأثير في الحكومات والمجتمعات.
وفق هذا الفهم بالتحديد يحمل عنوان «الثوريون» دلالة منهجية. فبه حاول بيرك تجنب اللغة التي تستخدمها السلطة لوصم معارضيها، بينما يتحاشى في الوقت نفسه اللغة المتعاطفة التي قد تجعلهم أبطالًا ثوريين تلقائيًا. وبذلك يبحث بيرك عن مساحة تحليلية تسمح بفهم دوافعهم وأفكارهم وسياقاتهم مع الاحتفاظ بالقدرة على نقد ممارساتهم. وهذه مسافة ضرورية لفهم التاريخ بعيدًا عن قاموس الدعاية السياسية.
بحسب بيرك، تتجسد هذه الإشكالية في شخصية إيليتش راميريز سانشيز، المعروف بـ»كارلوس». فقد بدأ في فضاء اليسار الثوري، ثم تحول تدريجيًا إلى شخصية مسلحة عابرة للحدود ارتبطت بأنظمة وأجهزة استخبارات ودول استخدمته في صراعاتها. ويرى بيرك أن أهمية كارلوس تتجاوز شخصه لتجعله تمثيلًا لظهور نوع جديد من الفاعل السياسي العابر للحدود. وقد ساعدته وسائل النقل الدولية والإعلام العالمي والبنية التحتية التي أوجدتها العولمة على التنقل السريع والوصول إلى أهداف في بلدان مختلفة. وفي الإطار الأوسع، أتاحت حقبة «الحرب الباردة» للدول والقوى المتصارعة استخدام جماعات مسلحة بالوكالة، بينما كانت أجهزة الدولة آنذاك أضعف من أن تراقب هذه الشبكات وتطاردها بالكفاءة التي أصبحت متاحة لاحقًا.
بحسب بيرك، يكشف نموذج كارلوس كذلك عن تحول مهم: حين تنفصل الممارسة المسلحة عن مشروع سياسي واضح، يمكن أن يتحول «الثوري» إلى شخصية تبحث عن الشهرة والنفوذ والمال، وتصبح الثورة نفسها غطاءً لمشروع شخصي. وبذلك، لا يرى بيرك في كارلوس ممثلًا نموذجيًا للماركسية الثورية، وإنما حالة تُظهر كيف يمكن للعنف الثوري أن يفقد مضمونه السياسي ويتحول إلى ظاهرة إعلامية وأمنية عالمية.
في سياق عرضه لأطروحته، يضع بيرك الثورة الإيرانية في العام 1979 ومحاولة الاستيلاء على الحرم المكي في العام نفسه داخل مفهوم أوسع للثورة. وهو يرفض حصر الثورة في اليسار لأن هذا الحصر يجسد افتراضًا أيديولوجيًا يجعل اليمين قادرًا فقط على إنتاج «الثورة المضادة». والثورة، وفق تصور بيرك، تعني مشروعًا لإعادة تشكيل المجتمع جذريًا، بغض النظر عن المرجعية التي تستند إليها. وبذلك تصبح الثورة الإيرانية مثالًا على الثورة الدينية التي تحمل مشروعًا اجتماعيًا وسياسيًا شاملًا، وتمثل حادثة الحرم المكي نموذجًا مختلفًا في مرجعيته ورؤيته الأخروية.
من أفكار الحوار المثيرة للاهتمام ثمة المقارنة بين سبعينيات القرن الماضي والانتفاضات العربية في 2010-2011. ومع أن بيرك يتحفظ على المقارنة المباشرة بسبب الاختلاف الكبير بين السياقين، فإنه يرى في الحالتين قاسمًا مشتركًا أساسيًا: ثمة شباب يريدون تغيير مستقبلهم، ويبحثون عن وسائل مباشرة لتحقيق ذلك. وعندما تُقمع هذه الرغبة أو يتم تجاهلها، فإنها– بحسب بيرك- لا تختفي، وتنتقل فقط إلى قنوات أخرى.
وفي هذه الفكرة تفسير لصعود الإسلام السياسي. في أوروبا الغربية، أدت إصلاحات اجتماعية وسياسية وثقافية واسعة إلى امتصاص جانب كبير من الطاقة الراديكالية التي انفجرت في الستينيات. أما في الشرق الأوسط، فقد واجهت المطالب الاحتجاجية قدرًا أكبر من القمع، ولم تُفتح أمامها مسارات سياسية قادرة على استيعاب هذه الطاقة. ومع انهيار اليسار وتراجع البدائل القومية والعلمانية، وجد الإسلاميون المجال مفتوحًا لملء الفراغ.
بهذه الكيفيات يقرأ بيرك ما أسماها يونغ «سنوات النار» باعتبارها مرحلة انتقال تاريخي في هوية الثورة نفسها. وفي تلك المرحلة، تراجع اليسار الذي حمل راية التغيير الجذري في الستينيات والسبعينيات، بينما صعد الإسلام السياسي بوصفه الحامل الجديد للراديكالية في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط. ولم يكن هذا التحول، بحسب بيرك، حصيلة انتصار أيديولوجي محض بقدر ما كان ثمرة مباشرة لفشل الأنظمة في معالجة أسباب الغضب، وللقمع الذي سدّ أبواب التغيير أمام القوى التي كانت تتحدث بلغة سياسية مختلفة.
وإذن، تقترح أطروحة بيرك أن فهم العنف السياسي لا يتأسس فقط على أيديولوجية الذين يمارسونه، وإنما في شروط البيئة التي تنتجهم وتعيد إنتاجهم. عندما تُغلق أبواب الإصلاح، ويُسحق المطالبون بالتغيير بينما تظل المظالم الأساسية بلا معالجة، فإن الثورة لا تموت، وتغير لغتها ووجوهها وأدواتها فحسب. وربما يكون هذا هو ما تقوله «سنوات النار» عن التحولات العميقة التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط خلال نصف القرن الماضي.







