اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خير الله يكتب : العراق الجائزة الكبرى... لإيران

{title}
أخبار الأردن -

خيرالله خيرالله

لا حاجة إلى الذهاب بعيدا لإكتشاف أنّ حروبا عدة تدور، بمباركة إيرانيّة، في المنطقة العربيّة ومحيطها. يحاول الحوثيون في اليمن إغلاق مضيق باب المندب عن طريق السعي إلى العودة إلى ميناء المخا اليمني الذي خرجوا منه في العام 2014 بفضل قوات يمنية محلّية كانت مدعومة من دولة الإمارات. هل ستتمكن إيران من التحكّم بمضيق هرمز في الخليج ومضيق باب المندب، المدخل إلى البحر الأحمر وقناة السويس، عن طريق الحوثيين في اليمن؟

لم تخف إيران أنّها قررت اللجوء إلى سياسة هجومية في غير مكان. لكنّ يظلّ الأهمّ بالنسبة إلى "الحرس الثوري"، في الوقت الحاضر، استمرار السيطرة الإيرانيّة على العراق. تدور داخل العراق حرب حقيقية إتخذت طابع تجاذبات محورها سلاح الميليشيات المذهبية التابعة لـ"الحرس الثوري". تجمعت هذه الميليشيات تحت لافتة سمّيت "الحشد الشعبي" الذي لديه موازنة من الدولة العراقيّة والذي يحاول لعب الدور المهيمن على السلطة الذي يلعبه "الحرس الثوري" في إيران.

يفسّر تمسّك "الحرس الثوري" بـ"الحشد الشعبي" وسلاحه كل هذا التركيز الإيراني على العراق البلد الذي بات يصلح لإستخدامات إيرانية مختلفة تصبّ في مصلحة النظام في طهران. بين ما يصلح له العراق تمويل جزء من الموازنة الإيرانيّة.

قبل أيام قليلة جاء حاكم البنك المركزي الإيراني إلى بغداد للمطالبة بمبلغ 12 مليار دولار ثمن غاز إيراني استخدم في العراق لإنتاج الكهرباء. نسي الإيرانيون أنّ إغلاق مضيق هرمز يحرم العراق من تصدير جزء كبير من نفطه، أي أن إغلاق المضيق يكلّف العراق خسارة مليارات الدولارات. تطالب إيران العراق بمليارات الدولارات فيما تريد منعه من تصدير الجزء الأكبر من نفطه لأسباب خاصة بها. تعود هذه الأسباب إلى أن مضيق هرمز صار السلاح الأقوى لإيران في المواجهة التي تخوضها مع الولايات والتي بات العراق من بين ضحاياها.

بعيدا عن مدى استفادة "الجمهوريّة الإسلاميّة" من موارد العراق، خصوصا من نفطه، لا يزال العراق يمثل الجائزة الكبرى التي حصلت عليها إيران كهديّة من الولايات المتحدة. كان ذلك أيّام إدارة جورج بوش الإبن التي أصرّت في العام 2003 على اسقاط نظام صدّام حسين وتسليم العراق على صحن من فضّة إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة".

تريد الإدارة الأميركيّة في هذه المرحلة بالذات استعادة العراق من إيران. ثمة تجاهل أميركي تام لواقع يتمثّل في أن من يحكم العراق منذ 2003 هو الميليشيات المذهبيّة التابعة لـ"الحرس الثوري" التي قاتلت الجيش العراقي في حرب السنوات الثماني (1980 – 1988). هذه ميليشيات عراقيّة عادت إلى بغداد من طهران على ظهر دبابة أميركيّة. تحكّمت الميليشيات بمفاصل النظام العراقي وحالت دون أي اصلاح حقيقي يجعل من العراق دولة طبيعية توازن في علاقاتها بين إيران ومحيطها العربي. هناك واقع عراقي تتجاهله إدارة دونالد ترامب بسبب جهلها لعمق التغلغل الإيراني في العراق...

تخلّصت إدارة بوش الإبن من نظام صدّام حسين البعثي – العائلي. كان ضروريا التخلّص من ذلك النظام الدموي والغبي في الوقت ذاته، لكنّ شرط معرفة من الذي سيخلفه. تسعى إدارة ترامب في الوقت الحاضر إلى معالجة آثار كارثة حلّت بالعراق الذي صار مطلوبا منه أن يكون خنجرا في خاصرة الأمن العربي. من العراق تنطلق اعتداءات على السعودية والكويت. منه تستهدف أماكن معيّنة في إقليم كردستان العراقي.

ليس صدفة أنّ محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) حرص على بدء زيارته الأخيرة للعراق بالتوقف عند النصب الذي أقيم لقاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الذي اغتاله الأميركيون مع أبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" العراقي بعيد مغادرتهما مطار بغداد مطلع العام 2020.

جاء قاليباف، الذي يعتبر من أبرز وجوه النظام الإيراني، إلى بغداد ليؤكد معارضة طهران لنزع سلاح الميليشيات العراقيّة خلافا لما تسعى إليه حكومة علي الزيدي التي وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه. لم يقل قاليباف ذلك صراحة. لكن زيارته لنصب قاسم سليماني، حيث القى كلمة مجّد فيها "المقاومة"، تعني الكثير. لعلّ أول ما تعنيه أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" ما زالت تعتبر العراق "ساحة" تابعة لها، بل ورقة أساسيّة في الحرب الصامتة أحيانا، والصاخبة في أحيان أخرى، الدائرة مع إدارة دونالد ترامب، وهي حرب تتخللها مفاوضات علنيّة أو سرّية بين حين وآخر!

صار في الأمكان اعتبار العراق جزءا لا يتجزأ من الحروب الدائرة في المنطقة وهي حروب تمتد من اليمن، إلى مضيق هرمز، إلى دول الخليج العربي التي تتعرّض لإعتداءات إيرانية... إلى جنوب لبنان. من ستكون له الكلمة الأخيرة في العراق؟ إلى أي حدّ تستطيع إيران ممارسة ضغوطها؟ أي قدرة لحكومة على الزيدي على الصمود في مواجهة الميليشيات المسلّحة؟ هل ستساعد زيارة فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، للمملكة العربيّة السعودية في توفير دعم عربي لحكومة علي الزيدي؟

ما لا بدّ من ملاحظته أنّ فائق زيدان تحوّل في الفترة الأخيرة إلى لاعب أساسي على صعيد السياسات الداخليّة في العراق، بما في ذلك في مجال صنع رئيس الحكومة.

تلك هي أسئلة المرحلة المقبلة التي محورها العراق نفسه حيث تدافع إيران عن نظامها وحيث تريد تأكيد أن لا عودة إلى خلف، أي إلى ما قبل العام 2003. في تلك السنة قررت إدارة جورج بوش الأبن تحويل "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى وصيّة على هذا البلد تحت شعار "الأكثرية الشيعيّة في العراق". هل في استطاعة إدارة دونالد ترامب إصلاح خطأ تاريخي غير كلّ التوازنات في الشرقين الأوسط والأدنى وفي منطقة الخليج؟

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية